للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المبحث الثالث: الأماكن التي يسكنها الجن]

والجن يسكنون هذه الأرض كما يسكن عليها الإنسان، والدليل على ذلك قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة: ٣٦]. وذلك بعدما خالف آدم وزوجه عليهما السلام أمر ربهما بعدم الأكل من الشجرة التي نهاهم الله بالأكل منها.

قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: (والخطاب لآدم وحواء, والحية, والشيطان في قول ابن عباس. وقال الحسن: لآدم وحواء والوسوسة. وقال مجاهد والحسن أيضاً: بنو آدم, وبنو إبليس. والهبوط: النزول من فوق إلى أسفل) (١).

وقال الإمام القرطبي في الآية: (وقد دل على هذا أن هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس كان في وقت واحد، بجمع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبب إبليس ذلك لهما على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم) (٢).

ويقول القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن: ١٠]: (وعن ابن عباس قال: الأنام: الناس، وقال الحسن: الأنام: الجن والإنس، وعن الضحاك: الأنام: كل ما دب على وجه الأرض، وهذا عام) (٣). وقال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام: الخلق) (٤)، وهذا يشمل الجن والإنس وغيرهما.

ومما يرجح أن الخطاب في الآية السابقة للجن والإنس قوله تعالى بعد ذكر كل نعمة من نعمه: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، والمقصود به الجن والإنس.

إلا أن وجود الجن أكثر ما يكون في الأماكن المهجورة كالمغارات, والكهوف, والحمامات, والمزابل, والمقابر, والجبال.

فعن بلال بن الحارث قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فخرج لحاجته, وكان إذا خرج لحاجته يبعد, فأتيته بأداوة من ماء, فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطاً لم أسمع مثلها, فجاء فقال: بلال؟ فقلت: بلال, قال: أمعك ماء؟ قلت: نعم, قال: أصبت. فأخذه مني فتوضأ قلت: يا رسول الله, سمعت عندك خصومة رجال ولغطاً ما سمعت أحدَّ من ألسنتهم, قال اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون, فسألوني أن أسكنهم, فأسكنت المسلمين الجلس, وأسكنت المشركين الغور) قال الراوي عبد الله بن كثير: (قلت لكثير: ما الجلس؟ وما الغور؟ قال: الجلس: القرى والجبال، والغور: ما بين الجبال والبحار، وهي يقال لها: الجنوب، قال كثير: ما رأينا أحداً أصيب بالجلس إلا سلم, ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم) (٥).

وهناك نفر من الجن يعيشون في البيوت مع الناس، وهم ما يسمون بجنان البيوت، وهي الحيات التي يشكل الجن بصورتها، وقد تقدم حديث الفتى الذي صرعه الجني في بيته، ولذلك نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن قتل حيات البيوت قبل إنذارها، لوجود الجن المؤمنين فيها.


(١) ((تفسير القرطبي)) (١/ ٣١٩).
(٢) ((تفسير القرطبي)) (١/ ٣١٩).
(٣) ((تفسير القرطبي)) (١٧/ ١٥٥).
(٤) ((تفسير ابن كثير)) (٤/ ٢٧٠).
(٥) رواه الطبراني (١/ ٣٧١) (١١٤٣). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١/ ٢٠٨): فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد أجمعوا على ضعفه وقد حسن الترمذي حديثه.

<<  <  ج: ص:  >  >>