للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المبحث الثاني: انقطاع التوبة بحضور الموت]

أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون فإنه تعالى يقبل توبتهم، حيث قال سبحانه إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٧] وغيرها من الآيات الكثيرة، ويقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه ((لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم لتاب عليكم)) (١)، وعن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) (٢)، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) (٣)، وغيرها من الأحاديث الشريفة، فالنصوص الشرعية التي تحث على التوبة كثيرة جداً، إلا أنها غير مقبولة عند الله تعالى إلا حين تتوفر شروطها التي ذكرها العلماء استقراءً من نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الشروط:

١ - أن تكون التوبة خالصة لوجه الله تعالى، فلا يراد بها الدنيا أو مدح الناس وثناؤهم.

٢ - الإقلاع عن المعصية.

٣ - الندم على فعلها.

٤ - العزم على عدم العودة إليها.

٥ - إرجاع الحقوق إلى أصحابها، إن كانت المعصية حقوقاً للآخرين.

٦ - أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت (٤).

والذي يعنينا من هذه الشروط في هذا المبحث هو أن التوبة لا بد أن تكون قبل حضور الموت (٥) لقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٧، ١٨].


(١) رواه ابن ماجه (٤٢٤٨). قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (٢/ ٣٣٠): هذا إسناد حسن، وقال محمد الغزي في ((إتقان ما يحسن)) (٢/ ٤٥٦): إسناده جيد، وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): حسن صحيح.
(٢) رواه ابن ماجه (٣٤٤٦)، والطبراني (١٠/ ١٥٠) (١٠٣٠٣)، والبيهقي (١٠/ ١٥٤) (٢١٠٧٠). قال ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (١/ ١١٧): [رواته] كلهم ثقات وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠/ ٢٠٣): رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وقال السخاوي في ((الأجوبة المرضية)) (١/ ٨٧): رجال سنده ثقات ولولا الإرسال الذي فيه لكان صحيحاً، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).
(٣) رواه الترمذي (٢٤٩٩) , وابن ماجه (٤٢٥١) , والحاكم (٤/ ٢٧٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة, وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن حجر في ((بلوغ المرام)) (٤٣٩): إسناده قوي. وحسّنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).
(٤) انظر: ((التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)) (١/ ٨٥).
(٥) انظر: ((فتح الباري)) (١١/ ٤٨٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>