للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ثانيا: مدى إمكانية رؤيتهم]

ويحسن بنا في هذا المقام أن نبين آراء الفقهاء في مسألة رؤية الجن وتشكلهم.

١ - رأي الجمهور: أن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات، ولبعض الناس.

٢ - الفريق الثاني: يرى أن رؤية الجن مختصة بالأنبياء – عليهم السلام – فقط. وممن قال بذلك: الشافعي وابن حزم والنحاس والقشيري وبعض المحدثين.

٣ - الفريق الثالث: ينكر رؤية البشر للجن، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء، وهو قول لبعض المحدثين.

٤ - الفريق الرابع: يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بصورهم الأصلية للأنبياء, ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء من البشر, وهو قول الألوسي, وابن العربي، على تفصيل سيأتي فيما بعد.

وإليك تفصيل هذه الآراء مع أدلتها:

١ - رأي الجمهور من الفقهاء:

الذين قالوا بأن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات ولبعض الناس.

قال محمد رشيد رضا: (والجمهور على أن الجن تتشكل) (١)، وقال في موطن آخر: (واختلفت فرق المسلمين في تشكله في الصور. فالجمهور يثبتونه) (٢) وقال المجلسي: (لا خلاف بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة، يرون في بعض الأحيان، ولا يرون في بعضها .. وقد جعل الله لهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة وصور متنوعة، كما هو الأظهر من الأخبار والآثار) (٣).

ويقول محمد رشيد رضا مبيناً إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها) (٤).

ويقول الإمام القرطبي: (وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة، فمنها حديث أبي هريرة الذي وكله رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان – وذكر قصة طويلة – وفيها: أن الشيطان كان يأتيه على صورة رجل فقير، يحثو من الطعام، حتى رفع أمره إلى الرسول وأخبره أن الذي يأتيه إنما هو شيطان) (٥) (٦).

وقد رأى ابن مسعود الجن على غير صورهم الأصلية، حين ذهب عليه الصلاة والسلام لتكليم الجن.

فقد روي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب، فخط علي خطاً فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت: فأوحى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر)) (٧).


(١) ((تفسير المنار)) (٧/ ٥٢٥).
(٢) ((تفسير المنار)) (٧/ ٥٢٥).
(٣) ((المؤمنون في القرآن)) (١/ ١٤٥).
(٤) ((تفسير المنار)) (٧/ ٥٢٥).
(٥) رواه البخاري (٢٣١١).
(٦) ((تفسير القرطبي)) (٧/ ١٨٧).
(٧) ((تفسير الماوردي)) (٦/ ١٠٨)، ((تفسير القرطبي)) (١٩/ ٤)، ((تفسير الرازي)) (٣٠/ ١٣٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>