للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المبحث السابع: الكفاءة النفسية]

ومما ينبغي توفره في الخليفة أيضًا أن يكون شجاعًا جريئًا على إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرًا بها كفيلاً بحمل الناس عليها، عارفًا بالدهاء قويًا على معاناة السياسة وحسن التدبير ليصبح له بذلك ما جعل له من حماية الدين وجهاد العدو وإقامة الأحكام وتدبير المصالح.

ودليل اشتراط هذا الشرط هو طبيعة هذا المنصب الذي يحتاج إلى كل هذه الصفات حتى يكون قادرًا على سياسة الرعية وتدبير مصالحهم الدينية والدنيوية، ولأن الحوادث التي تحدث في الدولة ترفع إليه ولا يتسنى له البتّ فيها كما لا تتبين له المصلحة إلا إذا كان على قدر من الحكمة والرأي والتدبير، ولذلك فلا يولى إلا من كان عنده القدرة على ذلك، يدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر رضي الله عنه حينما قال له: ((يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) (١). وفي رواية قال له: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تولين مال يتيم)) (٢) فإذا كان كان هذا في الولاية الصغرى وفي الأموال فمن باب أولى في الإمامة العظمى الشاملة للقيام بأعباء الولايات الصغرى والكبرى والأموال وغيرها.

وإلى اشتراط هذا الشرط ذهب إمام الحرمين الجويني (٣) وسبقه أبو يعلى حيث يقول: (الثالث: أن يكون قَيِّما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة) (٤) وبه قال الماوردي: (الرابع: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، الخامس: الشجاعة، والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو) (٥) وبه قال البغدادي (٦)، وابن خلدون (٧)، والإيجي في المواقف (٨) والغزالي في فضائح الباطنية (٩) وغيرهم كثير.

فهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهناك من العلماء من لا يشترطون هذا الشرط مجوزين الاكتفاء بأن يستشير الإمام أصحاب الآراء الصائبة في كل ما يحتاج إلى البتّ فيه من الأمور المهمة معللين ذلك بأنه يندر أن يتوفر هذا الشرط مع الشروط المطلوبة في الإمامة من الاجتهاد وغيره.

والواقع أنه ليس هناك حدّ معين لهذا الشرط، وإنما لكل زمان بحسبه، فالمهم أن لا يكون هناك قصور يخلّ بالمقاصد التي من أجلها نصب الإمام ... والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٥٩


(١) [١٣٠٠٦])) رواه مسلم (١٨٢٥).
(٢) [١٣٠٠٧])) رواه مسلم (١٨٢٦).
(٣) [١٣٠٠٨])) ((غياث الأمم)) (ص: ٦٨).
(٤) [١٣٠٠٩])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلي الماوردي (ص: ٢٠).
(٥) [١٣٠١٠])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلي الماوردي (ص: ٦).
(٦) [١٣٠١١])) ((أصول الدين)) (ص: ٢٧٧).
(٧) [١٣٠١٢])) ((مقدمة ابن خلدون)) (ص: ١٩٣)
(٨) [١٣٠١٣])) ((المواقف)) (ص: ٣٩٨).
(٩) [١٣٠١٤])) ((فضائح الباطنية)) (ص: ١٨٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>