للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الثالث: أقوال العلماء في المراد من الأحاديث الواردة في فضل كلمة التوحيد]

اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب دخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين أحاديث الوعيد التي فيها: من فعل ذنب كذا فالجنة عليه حرام, أو لا يدخل الجنة من فعل كذا, لإمكان الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وبأن أهل الجنة أيضا متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل, فيكون فاعل الذنب لا يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يرتكبه, أو لا يدخلها في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب ذلك الذنب, وهذا واضح مفهوم للعارف بلغة العرب وكذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمما لإمكان الجمع بأن تحريم من يدخلها بذنبه من أهل التوحيد بأن تحريمه عليها يكون بعد خروجه منها برحمة الله ثم بشفاعة الشافعين, ثم يغتسلون في نهر الحياة ويدخلون الجنة, فحينئذ قد حرموا عليها فلا تمسهم بعد ذلك أو يكون المراد أنهم يحرمون مطلقا على النار التي أعدت للكافرين التي لا يخرج منها من دخلها, وهي ما عدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها بعض عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله تعالى عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه, ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد وهذه إشارة كافية في هذا الموضع, ... وقد ذكر الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى في هذا الباب كلاما حسنا بعد سياقه حديث معاذ وحديث عتبان وحديث أبي ذر وحديث عبادة ... وأحاديث هذا الباب نوعان: أحدهما ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها, وهذا ظاهر, فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص, بل يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر من ذنوبه بالنار, وقد يعفو الله عنه فيدخله الجنة بلا عقاب قبل وحديث أبي ذر معناه أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد, وهذا حق لا مرية فيه, وليس فيه أن لا يعذب عليها مع التوحيد, وفي مسند البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ((من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه)) (١) الثاني فيه أنه يحرم على النار, وقد حمله بعضهم على الخلود فيها أو على ما يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى من النار, فإن الدرك الأعلى يدخله كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين: ((إن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله)) (٢)


(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦/ ٢٧٤)، و ((الصغير)) (١/ ٢٤١). قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢/ ٣٤١): رواته رواة الصحيح. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١/ ٢٢): رواه البزار والطبراني في ((الأوسط)) و ((الصغير)) ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)): (صحيح).
(٢) البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس رضي الله عنه ..

<<  <  ج: ص:  >  >>