للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا المعنى الثاني الذي كان له باقٍ في حقّه بعد موته؛ فكل من شتمه أو أغلظ في حقه كان قتله جائزاً، بل ذلك بعد موته أَوْكَدُ وأَوْكَد؛ لأن حُرْمَته بعد موته أكمل، والتساهل في عِرْضِه بعد موته غير ممكن.

وهذا الحديث يفيد أن سبّه في الجملة يبيح القتل، ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم.

الحديث الخامس:

قصة ابن أبي سرح، وهي مما اتفق عليها أهل العلم، واستفاضت عندهم استفاضة يستغنى عن رواية الآحاد، وذلك أثبت وأقوى مما رواه الواحد العدل، فنذكرها مسندة مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها:

عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يومُ فتحِ مكة اختبأ عبدالله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بَايْع عبدالله، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثاً، كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: ((أما كان فيكم رَجُلٌ رَشِيد يقومُ إلى هذا حيث رآني كَفَفَتُ يَدِي عن بيعته فيقتله)) فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أوْمَأْت إلينا بعينك، قال: ((إنه لا يَنْبَغِي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأُعْيُن)) رواه أبو داود بإسناد صحيح (١).

ورواه النسائي كذلك بأبسط من هذا ...

وجه الدلالة:

أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُتَمِّم له الوحي ويكتب له ما يريد، فيوافقه عليه، و (أنه) يُصَرَّفه حيث شاء، وبغير ما أمره به من الوحي، فيُقرُّه على ذلك، وزعم أنه سينزل مثل ما أنزل الله؛ إذ كان قد أوحي إليه في زعمه كما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه، والافتراء عليه بما يوجب الريب في نبوته قدر زائد على مجرد الكفر (به) والردة في الدين، وهو من أنواع السبِّ.

وكذلك لما افترى عليه كاتب آخر مثل هذه الفرية، قَصَمَه الله وعاقبه عقوبة خارجة عن العادة ليتبين لكل أحد افتراؤه؛ إذ كان مثل هذا يوجب في القلوب المريضة رَيْباً بأن يقول القائل: كاتبه أعلم الناس بباطنه وبحقيقة أمره، وقد أخبر عنه بما أخبر، فمِنْ نَصْر الله لرسوله أن أظهر فيه آية يبين بها أنه مفترِ.

قصة كاتب آخر قصمه الله لافترائه على الرسول

فروى البخاري في (صحيحه) عن عبدالعزيز بن صهيب عن أنس قال: كان رجلاً نصرانياً، فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانياً، فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبتُ له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لَفَظَتْه الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه، نَبَشُوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه (٢) ...


(١) رواه أبو داود (٢٦٨٣)، والحاكم (٣/ ٤٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (٥٤٩) - كما أشار لذلك في مقدمته – وقال ابن الملقن في ((البدر المنير)) (٧/ ٤٥٠): صحيح. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): صحيح.
(٢) رواه البخاري (٣٦١٧). من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>