للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(وارتكمت) اجتمعت (سحائب الأهوال) جمع هول وهو الأمر الشديد الهائل المفظع (وانعجم) أسكت فلم يتكلم. (البليغ) الذي كان في الدنيا مقتدراً على البلاغة والفصاحة (في المقال) قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [هود:١٠٥]، وقال تعالى: وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا [طه:١٠٨] وقال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:٣٨] قال ابن عباس: وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:١٠٨]: سكنت فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا [طه:١٠٨] قال: تحريك الشفاه من غير منطق، وعنه: الهمس الصوت الخفي، وعنه هو وعكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم: الهمس نَقْلُ الأقدام إلى المحشر كأخفاف الإبل، وقال سعيد بن جبير: همساً سر الحديث ووطء الأقدام فجمع بين القولين، وفي حديث الشفاعة ((ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل)) (١) الحديث. وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ذلت وخضعت، ومنه قيل للأسير: عان. الْقَيُّومِ تضمين لمعنى قوله عز وجل: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:١١١] وقال ابنُ عباس وغير واحد: خضعت وذلَّت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت القيوم الذي لا ينام وهو قيِّم على كل شيء يديره ويحفظه فهو الكامل في نفسه الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:١١١] قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله (٢)، والظلم هو الشِّرك. وقيل المراد بالظلم هنا العموم فيتناول الشرك وغيره من ظلم العبد نفسه وظلم العباد بعضهم بعضاً، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. وفي (الصحيحين): ((إيَّاكم والظُّلم فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة)) (٣) فعلى هذا المعنى ظلم دون ظلم وخيبة دون خيبة، والخيبة كل الخيبة لمن لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى: يقول إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] (واقتص من ذي الظلم) أي اقتص من الظالم (للمظلوم)، وقال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:٤٠] وقال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ – إلى قوله – وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر:١٧ – ٢٠] وقال تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الزمر:٦٩] وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:٧٥] وقال تعالى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:٧٠] وغيرها من الآيات. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب القصاص يوم القيامة، وهي الحاقَّة لأن فيها الثواب وحواقّ الأمور الحقة والحاقة واحد، والقارعة والغاشية والصارخة والتغابن غبن أهل الجنة أهل النار) ثم ساق بسنده حديث ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أوَّل ما يقضى بين الناس بالدِّماء)) (٤).


(١) رواه البخاري (٨٠٦) ومسلم (١٨٢). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) انظر: ((تفسير البغوي)) (٥/ ٢٩٦).
(٣) رواه البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩) بدون قوله: (إياكم والظلم). من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٤) رواه البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>