للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الإمام أحمد – رحمه الله -: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله) (١).

وقال أيضاً: (ولا ننزل أحداً من أهل القبلة جنة ولا ناراً، إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة) (٢).

وقال الإمام الطحاوي – رحمه الله -: (ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً) (٣).

ثمرة البحث:

١ - الحكم على الظاهر من أهم أصول أهل السنة: فمن أظهر الإسلام والتزم شرائعه، حكم بإسلامه واستحق جميع الحقوق التي شرعها الله للمسلمين، ووجب عليه جميع ما وجب على المسلمين، ويستوي في هذا المسلم على الحقيقة، والمسلم نفاقاً خوفاً من قتل أو طمعاً في مكسب. ولم نكلف شق صدور الناس أو امتحانهم.

هذا إذا تكلم في أحكام الدنيا، أما إذا تكلم في أحكم الآخرة، فإن حكم المنافق حكم الكفار، بل هم إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥].

ومن أظهر الكفر الصريح، حكمنا بكفره وعاملناه بما يقتضيه وضعه، فإن كان حربيا حاربناه، وإن كان معاهداً أتممنا إليه عهده، وإن كان ذميا أقررناه على وضعه مع أخذ الجزية منه وهو صاغر.

أما من كان مسلماً وظهر منه فعل كفري، فإن الواجب الذي ينبغي أن يتبع في الحكم عليه ابتداء هو الحكم على الفعل دون الفاعل. ... وأن الحكم بالتكفير إنما يعني – عند أهل السنة – الحكم الظاهر الذي يقتضيه عمله؛ لأن هذا الفعل قد تكتنفه حالتان، كل واحدة منهما يمتنع فيها الجزم بالحكم على الفعل بأنه كفر، فضلاً عن أن يوصف الفاعل بالكفر.

الحالة الأولى: أن يكون الفاعل محتملاً للكفر وعدمه (٤). فكون الفعل محتملاً لهذين الأمرين المتضادين يجعل القطع فيه بحكم صعباً، لذلك فإن حكم التكفير يجب أن ينبني على فعل صريح في الكفر.

الحالة الثانية: أن يقوم بالمعين ما هو كفر قطعاً، لكن يمنع من تكفيره الاحتمال في قصده.

فقد يكون هذا المعين لم يقصد الكفر؛ لعارض عرض له كسوء الفهم أو الخطأ في الاجتهاد ...

٢ - التوقف عن التعيين في مسألة التكفير والوعد والوعيد:

وذلك حتى تتوفر شروط وتنتفي موانع، وذلك أن الحكم بالتكفير هو من اختصاص الله تعالى؛ لأنه هو الذي يعلم حقيقة كل شيء. فالتجرؤ على هذا الأمر على جانب كبير من الصعوبة والخطورة.

فالكلام في هذه المسائل يجب أن ينبني على العلم واليقين والعدل، وإلا كان تقولاً على الله غير علم، وظلماً لخلق الله. فالواجب في هذه الحالة هو اتباع الكتاب والسنة والقول. بموجبهما، حتى يؤمن الزلل والشطط.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله عليه -: (إن نصوص الوعيد في الكتاب والسنة كثيرة جدا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون أو مغضوب عليه أو مستحق للنار، لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات، فإن غير الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام يجوز عليهم الصغائر والكبائر، مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقا أو شهيدا أو صالحا؛ لما تقدم أن موجب الذنب قد يتخلف عنه بتوبة أو استغفار أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة أو بمحض مشيئة الله ورحمته) (٥).


(١) ((طبقات الحنابلة)) (١/ ٢٤٤).
(٢) ((طبقات الحنابلة)) (١/ ٣١٢).
(٣) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (٢/ ٥٣٧).
(٤) عن هاتين الحالتين ينظر: ((رسالة ضوابط التكفير عند أهل السنة)) (ص: ٢٨٠).
(٥) ((رفع الملام)) (ص: ١٢٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>