للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)) (١). ولمسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) (٢). فهذا حكم من سأله مطلقاً، والأول حكم من سأله وصدقه بما قال.

ثم اعلم أن الكاهن وإن كان أصله ما ذكرنا فهو عام في كل من ادعى معرفة المغيبات ولو بغيره كالرمّال الذي يخط بالأرض أو غيرها، والمنجم الذي قدمنا ذكره أو الطارق بالحصى وغيرهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغائبة كالدلالة على المسروق ومكان الضالة ونحوها أو المستقبلة كمجيء المطر أو رجوع الغائب أو هبوب الرياح ونحو ذلك مما استأثر الله عز وجل بعلمه فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا من طريق الوحي كما قال تعالى: فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: ٢٦] ملائكة يحفظونه من مسترقي السمع وغيرهم لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨] فمن ذا الذي يدَّعي علم ما استأثر الله بعلمه عن رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى عن نوح عليه السلام: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْب [الأنعام: ٥٠] الآية، وقال تعالى عن هود عليه السلام: قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ [الأحقاف: ٢٣]، وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأحقاف: ٢٣] الآية، وقال تعالى: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:١٨٨] وقال تعالى: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأحقاف: ٩] الآية، وقال تعالى عن الملائكة: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣١ - ٣٢] الآيات ولم يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم مكان راحلته حتى أعلمه الله بذلك، وقال في سؤال الحبر إياه فأجابه صلى الله عليه وسلم وصدقه الحبر ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله عز وجل به)) وهي في مسلم (٣). وفيه قول عائشة رضي الله عنها لمسروق رحمه الله تعالى: (ومن زعم أن رسول الله يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية)، والله تعالى يقول: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ (٤). ولم يكن صلى الله عليه وسلم يعلم شيئاً من الرسالة حتى أتاه الله عز وجل به كما قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى [الضحى: ٦]، وقال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وقال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]، وقال تعالى: قُل لَّوْ شَاء اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ٢٦] وقال تعالى: وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: ١١٣]. نسأل الله العظيم من فضله العظيم. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي– ص ٧١٢


(١) [١٠٨٣٨])) رواه البزار في ((المسند)) (٥/ ١٤٦) , والطبراني (١٨/ ١٦٢) , قال البزار روي بعضه من غير وجه (وفيه) أبو حمزة العطار لا بأس به, وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٤/ ٨٨): إسناده جيد, وقال ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (٢/ ٢٨٨): في إسناده أبو حمزة العطار ضعفه الفلاس وابن عدي ومع ذلك فسماع الحسن من عمران فيه اختلاف, وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٥/ ١٠٦): فيه إسحاق بن الربيع العطار وثقه أبو حاتم وضعفه عمرو بن علي وبقية رجاله ثقات, قال الألباني في ((غاية المرام)) (٢٨٩): حسن لغيره.
(٢) [١٠٨٣٩])) رواه مسلم (٢٢٣٠).
(٣) [١٠٨٤٠])) رواه مسلم (٣١٥).
(٤) [١٠٨٤١])) رواه مسلم (١٧٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>