للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والناظر في سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمكن له البتة أن يصرف المراد منها إلا إلى المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عند المفسرين وأهل السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل سرية عدتها ثمانية رجال كلهم من المهاجرين يرأسها عبد الله بن جحش وأعطاها كتاباً مختوماً لا يفضه إلا بعد أن يسير يومين ثم ينظر فيه، فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه: (إذا نظرت كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم)، فسار القوم حتى وصلوا إلى نخلة فمرت بهم عير قرشية تريد مكة فيها عمرو بن الحضرمي وآخرون فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا عليهم ويأخذوا ما معهم، فحملوا عليهم في آخر يوم من رجب فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا رجلين واستاقوا العير ورجعوا به إلى المدينة، فلما قدموها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام)) فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً؛ فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: قد استعمل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ٢١٧]. فلما نزل القرآن بهذا وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الخوف وتجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه طمعوا في الأجر – وقد كان المسلمون يقولون لهم إن لم يكن عليكم في ذلك وزر، فليس لكم فيه أجر – فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله جل جلاله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ الآية (١).

مما تقدم يتبين لنا وجه الدلالة من الآية: وهو أن الله عز وجل شهد للمهاجرين والمجاهدين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق نياتهم، وطهارة بواطنهم، وأنهم كانوا يرجون رحمة الله لأفعالهم وهذا دليل إخلاصهم، ومن شهد له الله سبحانه وتعالى بذلك، وأثنى عليه قلنا بعدالته.

٣ - قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠].

تثبت الآية الكريمة صفة الأفضلية والخيرية للأمة المحمدية على العموم، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخصوص، وإنما قلنا بشمول الآية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -بل أنهم أول من عني بها- لما يأتي:

١ - إن الصحابة هم الذين شهدوا نزول الوحي، لذلك فإن الخطاب يقع لهم مشافهة (٢).

٢ - أن الآية تتحدث عن خير الأمم، والرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: ((خير القرون قرني)) (٣)؛ وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هم أصحابه.


(١) ينظر: في سبب الآية إضافة إلى مصادر التفسير السابقة: ((سيرة ابن هشام)) (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢)، ((الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد)) (٢١/ ٢٥ - ٢٦)، ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٤/ ٣٥١ - ٣٥٢)، ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٩/ ١١ - ١٢).
(٢) ((اليمانيات المسلولة)) لزين العابدين الكردي (ص: ٦١).
(٣) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. بلفظ: ((خير الناس قرني ... )).

<<  <  ج: ص:  >  >>