للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَرَأتُ في تاريخ مختَار المُلْك المُسَبِّحيّ (١)، قال: سَنَة ثَمانِيْن ومَائتَيْن فيها مات أبو يَحْيَى زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى الأنْطَاكِيّ.

زكَرى المَعْدِنيُّ (٢)

من أهْل المَعْدِن، رَجُلٌ صَالِحٌ من أوْلِيَاء اللّه تعالَى، كان عندنا بحَلَب، وكان كَثِيْر الصُّحْبَة لعمِّي ووَالدِيّ، وكان يأنسُ بي، وتَظْهر له كَرَامَات كَثِيْرة، ويَخْرجُها مَخْرج التَّبَالُهِ، واتَّخذ له كِعَاب غُزْلَان مُصَبَّغة، وجَعَلها في كيسٍ، وكان إذا أُخْبر بوقُوع شيءٍ يَقُول: أَخْبَرَتني الكُعَيْبَات، وكان لازمًا للوَقَار، ولا يَخْرج إذا ما يُخَالف بهِ الشَّرْع، وإذا قُرئ بحَضْرته شيء من أخْبَار الصَّالِحين أو الرَّقَائِق غَلَبَ عليه الحالُ، وتَسْبقه الدُّمُوع، فيقُوم من المَجْلِس أو يُشِير إلى القَارِئ بالسُّكُوت، وكان يُخْبرُنا بأُمُورِ أَنَّها تَقَعُ، فتَقَع على ما أَخْبرَ بهِ! وكان رَحِمَهُ اللّه مَحْبُوبًا إلى النَّاسِ، قَريبًا إلى القلُوبِ، خَفِيْف الرُّوْحَ.

وكان عَمِّي أبو غَانِم يَمِيْل إليهِ، ويَعْتَقد فيه، وكان له عَادة في أنْ يَخْرُج بأهْلِه وأوْلَادِهِ ومَنْ يعزّ عليه إلى صُمَّعُّ الفُوْقا؛ قَرْيَةٌ من قُرَى حَلَب، كان له فيها حصَّة في أيَّام البِطِّيْخ، فطلَبهُ عمِّي أنْ يَخْرُج معه، وسَبقتُ الجَماعَة، وخَرَجْتُ والشَّيْخ زَكرى معي رَاكبٌ على حِمَارٍ، فكُنْتُ معه في بعض الطَّريق فأنشد: [من البسيط]

قَلْبي بحَرِّ سِهَامِ الدِّبسْ مَجْرُوِحُ … بينَ العصَائِدِ والأحْمَانِ مَطْرُوحُ

قد قَدَّمُوا السَّمْنَ والأعْسَالَ في قَدحٍ … فالقَلْبُ في قَلَقٍ والدَّمْعُ مَسْفُوحُ

ثُمَّ جَعَل يَبْكي بُكَاءً شَدِيْدًا، حتَّى رَقَّ قلي لكَثْرة بُكَائهِ، ووَصَلْنا إلى القَرْيَةِ وعمِّي بها، وكان ولد عمِّي الأكْبَر أبو الفَضْل هِبَة اللّه قد تَرَكناهُ ليَخْرُج بعدَنا


(١) تقدّم التعريف بتاريخ المسبحي في الجزء الثاني.
(٢) توفي سنة ٦٠٩ هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>