للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأن الموصي خاف الموت، والإعدادُ حسن من الله في أفعاله، وإن لم يخَف الفوت، كالإعداد منا، وإن خفنا الفوت، ألا تراه سبحانه أعدَّ في سفينةِ نوحٍ عند الطوفان جَماهيرَ (١) الخلقِ من كُلٍّ زوجين اثنين، وما كان ذلكَ لحاجَةٍ، ولا لعدمِ القدرةِ على إنشاءٍ من غير ذكرٍ وأُنثى، وأمَر عزيزَ يوسفَ بإعدادِ الأطعمةِ للسبع الشدادِ من السِّنين، مع قُدرته على الخلق للرزق المبتدأ من غير إعداد، وكان ذلك حَسَناً منه، كما حَسُن منّا مع خوف الفوتِ، كذلك لا يمتنعُ مساواةُ الأمرِ منه للمعدوم للوصية منا للمعدومِ.

وأما قولُهم: كان يجب أن نَقِفَ تسمية الأمرِ أمراً على وجودِ شرطِه، وهو المأمورُ؛ لأنه من باب المتضايفات، فلا يلزمُ، لأنَ الشرطَ ليس هو وجود المأمور لكن الشرطُ للأمرِ أن ينتهيَ إلى مأمورٍ كالنداءِ من البُعد، يكون نداءً للبعيد المنادى بنفسِ وجودِ صيغة النداء، والقصد بها المنادى، وكذلك الإيصاءُ أمرٌ مشروط بالموصَى إليه، وليس يعتبر في الشرطِ وجودُ الموصَى إليه حالَ الإيصاء، ولأنه سُبحانه إله حقيقةً، ولا مَأْلوه، وربٌ ولا مربوبَ، ثم وُجِد المألوهُ والمربوبُ، ولم يمنع ذلك سَبْق الإلهية لوجود المألوه، وسَبْق الربوبية لوجودِ المربوب.

فصل

جامع شُبَههم

[منها: أن قالوا: إنه من باب التعَلق والمضاف، والمعدوم] ٢) كيف يصح التعلق به أو عليه؟!

ومنها: أنهم بحثوا أن يكونَ الأمرُ إلزاماً أو طلباً واستدعاءً، وكُل ذلك لا يكون صحيحاً في حقِّ المعدومِ، ولا لحنةَ عند أهلِ اللغة أقبحُ من قولِ القائل: ناديتُ


(١) أي جماعات. "اللسان": (جمهر).
(٢ - ٢) طمسٌ في الأصل، والمثبت مقدر حسب المعنى.

<<  <  ج: ص:  >  >>