للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والأمرُ المطلقُ يقتضى الوجوبَ، فصار بمثابةِ لفظِ العموم إذا تَعقَبه لفظ يقتضي إخراجَ بعضِه، بقي الباقي على ظاهرِه في الاستغراقِ لما عدا ما أخرجه الخصوص.

فصل

في شُبَههم

قالوا: المنطوقُ به نفسُ المبالغةِ والسعي، وقد قام الدليلُ على نفيِ وجوبهِ، فغيرُ المنطوقِ به في الأمرِ لا وجهَ لكونه واجباً، وزيادته على رتبةِ المنطوق به.

فيقال: إنَ قولَه في الاستنشاقِ يعطي الأمرَ به، ولم يقمْ على الأمرِ به دلالةٌ تحطُّه عن رتبةِ الإطلاق، كما إذا قال: حُتيه في غسلكِ له (١)، وأوتر في الاستجمارِ (٢)، يكون مضمناً للأمرِ بالأصلِ، وليس في الأصلِ ما يحطه عن مرتبتهِ من الإطلاق.

فصل

إذا كنّى اللهُ سبحانه عن العبادةِ ببعض ما فيها من أركانِها وتوابعِها، دل على وجوبِه فيها، وكونِ ذلك الشيء من لوازمها وفروضِها، مثل قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: ٧٨] لما كنى عن الصلاة به، دل على وجوبه فيها، وكذلك قوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} إلى قوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} [الفتح: ٢٧]، فكنَى عن الحج بحلقِ الرأس، فدل على وجوبه فيه، والأصل في ذلك أنَ العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به، تقول: عندي كذا وكذا رقبةٌ، وتحتي كذا وكذا فرجٌ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا سَبقَ إلا في خُف أو حافرِ أو نَصْل" (٣)، ويقول القائل: لي كذا وكذا


(١) كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "حتية، ثم اقرصيه" وقد تقدم تخريجه في الصفحة (٣٨) من الجزء الأول.
(٢) أخرج أحمد ٤/ ٣١٣، ٣٣٩، ٣٤٠، والترمذي (٢٧)، والنَسائي ١/ ٤١، وابن ماجه (٤٠٦)، والحاكم ١/ ١٥٨، وابن حبان (١٤٣٦) من حديث سلمة بن قيس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" إذا توضأت فاستَنْثر وإذا استَجْمرت فأوتر".
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٥٦، ٣٥٨، ٤٢٥، ٤٧٤، وأبوداود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)،=

<<  <  ج: ص:  >  >>