للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نهى اللهُ عنه، وإنما لم يَلحقه المدحُ والذمُ قَبل وجوده؛ لأنه عُدمَ الشرطُ في تلك الحال، فلا طاعةَ وجدت، فيمدحُ عليها، ولا معصيةَ تحققت، فيُذمّ عليها، لكن جعل ذمه ومدحَه كأمره، معلَّقَين على وجود الطاعةِ والعصيانِ، كما كان أمرُه معلَقاً على الوجودِ مَشروطاً به.

وما ذلكَ إلا بمثابة سائرِ العباداتِ المشروطةِ في حقِّ المكلف، لا يلحقُه الذمُ والمدحُ بتركِها وفِعلِها قبل وجودِ شرطِها إلا على وجهِ التعليقِ إن تركها بعد تكامل شروطِ وجوبِها عليه، وتضايقِ الأمر في حقه.

فأمَّا قولُهم: لما لم يصح أن يكونَ الأمرُ معدوماً، لم يصح أن يكونَ المأمورُ مَعدوماً. غيرُ صحيح؛ لأنَ الآمر إذا سَبق أمره بإيصاءِ وصيّةٍ، وتقدمِ مكاتبةٍ ثمَ ماتَ قبلَ وصولِ كتابهِ وسَماع الموصَى إليه وصيّتَه أو شرطَه في الوقفِ تمليكَ من يأتي من ولدِ ولدهِ وعَقبِه ونَسلِه، كل ذلك يكون بعد وفاته مَعمولاً به بحُكم أمره، ولا يخرج بموته عن كون أمرِه أمراً حقيقة، فيستند الأمرُ إلى حالِ وجودِ الآمر كما يستند الأمرُ من الآمر إلى وجودِ المأمور، وإن أردت أنَ ابتداءَ الأمرِ لا بُد له من آمرٍ فكذلكَ اتصالُ الأمرِ بالمستدعى منه لا بُد له من مأمورٍ فالانتهاءُ في هذا كالابتداءِ في ذلك، ولا ينتهي الأمرُ إلاّ إلى مأمورٍ موجودٍ، لذلكَ لا يفيدُ الأمر إلا من آمرٍ موجود.

فصل

ويجوزُ أن يأمرَ اللهُ سبحانهُ بما يَعلمُ أن المأمورَ لا يفعله.

نصَّ عليه أحمد بقوله: نَهى اللهُ سبحانه آدمَ عن أكلِ الشجرةِ، مع علمِه بأنه سَيأكلُ، وفي أمرِه لإبليسَ بالسجودِ، مع علمِه أنه لا يَسجدُ، وهذا أمر نطقَ به الكتابُ، وحُكي عن المعتزلة أنه لا يجوزُ ذلك (١).


(١) انظر "المعتمد" ١/ ١٦٦ - ١٦٧، و"العدة" ٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>