للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي الجملةِ، كلُّ خبرٍ عن مستقبَلٍ يجوزُ أن يقعَ فيه نوعُ احتمالٍ، ويقعَ بحسب الاحتمالِ الخلافُ، فأمَّا الخبرُ عن الماضي فلا احتمالَ فيه، لأنَّ المستقبَلَ ممتدٌّ، يجوزُ أن يقتطعَ للخبرِ منه ما يقع المخبَرُ به بنفيٍ وإثباتٍ، حتي إنَّ الخلافَ قد يقع في لفظِ الأبدِ، وأنَّه أبدٌ من الآبادِ.

فأمَّا الماضي إذا أخبرَ بأنَّهُ كان فيه كذا، فأخبرَ بأنَّه بعثَ فيه أنبياءَ، وجرى فيه سِيَرٌ (١)، فهذا إثباتٌ لا يجوزُ أن يختلَّ، وكذلكَ إذا كانَ إخباراً عن نفيٍ في الماضي، مثل قولِه: ما بعثَ امرأةً نبيةً، ولا أباحَ الظلمَ في شريعةٍ من الشرائع، فهذا لا يمكنُ أن يعتريَهُ نوعُ احتمالٍ يُوجبُ اختلافاً، لأنَّ الماضي جملة تناهت فتناوَلَها الخبرُ بإثباتٍ كانَ فيها لا محالة، أو لم يكمت لا محالةَ.

فأمَّا المستقبَل، فإذا قال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ} [الفتح: ٢٧] يحسن أن لا يَدخلَ زماناً طويلاً، ثم يدخل (٢)، فيكونُ الخبرُ صدقاً، وأما الماضي لا يقال: دخلَ، إلا وقد حصل، ولا يقال: [ما] دخلَ، إلا وقد استوعبَ الماضي كلُهُ نَفْيَ الدخولِ.

وهذا فصلٌ دقيق يحتاجُ إلى تأمُّلٍ كاف (٣)، وفيه تقعُ الشكوكُ لغموضِهِ، ولهذا يحسُنُ دخولُ الشروطِ في المستقبَلاتِ، ولا تدخلُ الماضي إثباتاً كان أو نفياً، فلا يمكنُ أن تُقالَ في قولِ القائل: دخَلَ زيدٌ الدارَ، أو ما دخلَ زيدٌ الدار، [لأنه] لا يخلو من دخولِه في الإثباتِ، ولا يوجدُ منه دخولُه في النفي، بل في الخبرِ بإثباتِ


(١) في الأصل: "سيره".
(٢) في الأصل: "ويدخل".
(٣) في الأصل: "ينافى".

<<  <  ج: ص:  >  >>