للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والجوابُ: أنَّه حجةٌ لنا من وجهٍ، وهو أنَّه لو كانَ ذلكَ جمعاً في اللغةِ، لما احتاجوا إلى بيانِه فإنَهم في اللغةِ مثلُه، فلم يبقَ إلا أنَّه بينَ ما يخصُه ولا يشاركونه فيه، وهو الحكمُ، فكأنه بين أنَّ ذلك جمعٌ في الصلاة (١).

ومنها: أنَّ الجمعَ عبارة عن اجتماعِ شيءٍ إلى شيءٍ، وانضمامِه إليه، وهذا أوَّلُ ما يوجدُ ويتحققُ فى الاثنينِ، ثم يترقَى إلى ما زادَ، فلا يجوزُ أن يُسلَب الاثنانِ الجمعَ مع تحقُق معناه فيهما.

فيقالُ: إنَّ وجودَ الاشتقاقِ لا يدُّلُ على أنَّه حقيقةٌ فيه، لكنْ كما أنَّ الحُبَّ (٢) والجرّةَ يوجدُ فيهما استقرارُ المائعاتِ التي تختص بهما (٣)، كالخلِّ والدِّبسِ والماءِ، حسب ما يستقرُّ الدُهنُ في القارورةِ، ولا يُطلقُ على الحُبِّ والجرةِ اسمُ قارورة، وكذلكَ الدابَّة سُميت به؛ لأنَّها تَدِبُّ، ولا يُسمَّى بذلك الإنسانُ، ولأنَه قد حسُنَ نفيُ الجمعِ، فيقالُ: ليسا برجالٍ، لكنَّهما رجلان، كما قالوا: ليس بقارورةٍ لكنّه حُبٌّ أو خابِيةٌ، ولم تَقل العرب ذلك فى الحقيقةٍ قط.

ومنها: قولهم: إنَّ العربَ تتصرفُ في اسمِ الاثنينِ بالاجتماعِ والتفرّقِ والجمعِ، فتقولُ: جمعتُ بين زيدٍ وعمروٍ, فاجتمعا. وهما مجتمعانٍ، فافترقَا. والفرقُ ضدّ الجمعِ، ويقال: اجتمعَ الرجلُ بزوجتِه. كما يقالُ: اجتمعَ النَاسُ، واجتَمع العسكرُ وتفرقوا.

وهذا من آكدِ علاماتِ الحقيقةِ، وهذا لأنَّ الاجتماعَ والجمعَ من بابِ المتضايفاتِ (٤)، وذلك يصِحُّ في الاثنينِ حقيقةً، ولا يصحُ في الواحدِ، وما زادَ على الاثنينِ مضاعفةً


(١) انظر "العدة" ٢/ ٦٥٨، و"التبصرة": ١٣٠.
(٢) الحُبَّ؛ الجرَّة الضخمة، أو الخابية التي يجعل فيها الماء. "اللسان": (حب).
(٣) في الأصل: "تخص بها".
(٤) وهي ما كان تصوركل واحد من الأمرين موقوفاً على تصور الآخر انظر (التعريفات) للجرجاني: ٥٣ وما تقدم في ١/ ٣٥٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>