للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قلتَ: فما الدليلُ على صحَّةِ الأول دونَ ما حَكَيْتَه عن هؤلاءِ القومَ؟ فالدليلُ عليه ما ذكرَه المحقَقونَ من العلماء بهذا الشَّأَنِ، وهو أن الدليلَ لا يخلو من أن يكونَ هو المُعرِّف، المُبينَ الهاديَ، أو ما يستشهدُ لك المعرِّفُ (١) عندَ دلالته وُينَبِّهُك على ما فيه، فإن كان هو المعرِّفُ (١)، فقد اجتمعَ له الأمران؛ لأنه هو الذي عَرَّفَك صحةَ المذهب، وهو الذي عَرَّفَك ببَدِيهةِ العقلِ فسادَ ضدِّه، ومخاطبته إياك بالخواطِرَ كمخاطبتِه إياكَ ببديهةِ العقلِ، فإن كان المذكورُ ما فيه من الآثارِ ونحوها عند الدَّلالةِ والهدايةِ هو الدَّليلُ، فالصَّنعة إنما دلَّتْ على أن [لها] (٢) صانعاً فقط، والعقلُ هو الذي دلَّ على صحةِ اعتقادِه، من حيثُ دلَّ على أن كلَّ ما أثبتَه الدليلُ يصحُّ اعتقادُه، وهو أيضاً إقرارُهم بما دلَّ على فسادِ ضده، فقد اجتمعَ له الأمرانِ، وشروطُهم التي تقدَّمَتْ تُوجِبُ ما قلنا؛ لأن قائلًا لو قال: من أين تجبُ صِحَّةُ اعتقادِ الصانعِ إذا دلَّتْ عليه الدلائل؟ فقلتَ: من حيثُ وجبَ أن صانعاً للمصنوعِ. فقال لك كذلك: فإنا لا نرى فيها أكثرَ من تثبيتِ صانعٍ فقط. لم تَجِدْ بُدَّاً من الرُّجوع إلى ما في العقلِ بما وصفنا، ورجوعُك إلى ما في العقل رجوعُ إلىَ من وضعَه فيه.

فإذا كان للمذهبَين ثالثُ، لم يَكنْ (٣) ما يَدخُل في احدهما من


(١) في الأصل:"المعروف"، ويغلب على ظننا أن الصواب ما أثبتناه.
(٢) زدناها على الأصل ليتبين المعنى ويستقيم.
(٣) كتبت في الأصل:"يكون" بالإثبات.

<<  <  ج: ص:  >  >>