للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العمومِ، على قولِ من أجازَ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الخطابِ (١).

ومنها: أن القولَ بالنسخِ يؤدي إلى اعتقادِ الجهلِ، من جهةِ أن المكلَّف يعتقدُ بإطلاقِ الأمرِ التأبيدَ، ولا يعتقدُ التأقيتَ، فإذا جاءت الغايةُ، بانَ ما اعتقده جهلاً، والجهلُ قبيح، فما يؤدي إليهِ قبيحٌ، فوجبَ تنزيهُ الله سبحانه عنه.

فيقال: إِنِ اعتقدَ التأبيدَ، فإنما أُتِيَ من قِبَلِ (٢) نفسه، وإلا فالذي ينبغي أن يعتقِدَ: أنَّ ذلكَ التعبدَ إلى حين يُنسخُ؛ لأنَّه إذا رأى تصاريفَ البارىء في العالمِ، واختلافها بحسب الأزمنةِ والأشخاصِ والمصالح، لم يَجُزْ له اعتقادُ التأبيد، بل يعتقدُ أن ذلك ثابت إلا أنْ يُنسخَ ويُرفَعَ.

على أنَّ في طَيِّه منَ التعبدِ ما يُرْبي على الجهلِ الذي تُشيرُ إليهِ، فإنَّه إذا أضمرَ ملازمة التعبدِ على التأبيدِ، فجاءَ النسخُ بعدَ ذلكَ، حصل له ثواب الاعتقاد لاعتناقِ الأمرِ أبداً، ثم حصَلَ لهُ ثوابُ الانتقالِ من الفعلِ إلى التركِ تسليماً لحكمةِ الناسخِ، فإنَّ تغييرَ الأحوالِ من أشقِّ ما يكونُ على النفوسِ.

ولأنَّهُ باطلٌ بالاعتقاداتِ الحاصلةِ لدوامِ الأحوالِ؛ كالصحةِ والغنى، ثم إنَّ الله سبحانه يزيل ذلكَ بالفقرِ والمرضِ.

ومنها: أن قالوا: لو جازَ نْسخُ الأحكامِ، لجازَ نسخُ الاعتقاداتِ في التوحيدِ، وما يجوز على الله، وما لا يجوزُ، وجميعِ مسائلِ الأصولِ، ويكون ذلكَ مصلحةً في وقتٍ، ومفسدةً في وقتٍ، ولَمَّا


(١) انظر ما تقدم في الصفحة ٨٧ وما بعدها.
(٢) في الأصل: "قييل".

<<  <  ج: ص:  >  >>