للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

شرح حديث: (قد جعل الله لهن سبيلاً)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا هشيم]-وهو ابن بشير بن القاسم السلمي أبو معاوية الواسطي - عن منصور - وهو ابن زاذان الواسطي أبو المغيرة الثقفي - عن الحسن البصري -سيد من سادات التابعين- عن حطان بن عبدالله الرقاشي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاًَ، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)].

قال عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني خذوا عني) أي: تحملوا هذا العلم عني وتلقوه مني، فإنه وحي السماء.

وكرر ليؤكد أهمية الكلام، فقال: (قد جعل الله لهن سبيلاً) (لهن) ضمير يعود على النسوة، كأن الأمر قبل ذلك لم يكن لهن سبيلاً، حتى جعل الله على لسان رسوله سبيلاً لمن وقع من النساء في الزنا.

قال: (قد جعل الله لهن سبيلاً) ما هو هذا السبيل؟ قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) أو تغريب سنة.

قال: (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) والمعلوم المشهور الذي عليه العمل ويعرفه القاصي والداني: أن البكر يجلد مائة ولا يعرف أكثر الناس التغريب، كما أن أكثر الناس يعرفون أن الثيب ترجم ولا تجلد؛ ولذلك هذه المسألة كانت محل نزاع كبير جداً بين أهل العلم؛ إذ إن العمل على أن البكر يجلد بغير نفي، والثيب ترجم بغير جلد.

قال: [وحدثنا عمرو الناقد حدثنا هشيم أخبرنا منصور بهذا الإسناد مثله.

حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار جميعاً عن عبد الأعلى - وهو ابن عبد الأعلى - قال ابن المثنى: حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة].

إذا روى سعيد عن قتادة فإنما هو سعيد بن أبي عروبة البصري وقتادة إذا روى عن الحسن فهو الحسن البصري، فـ سعيد وقتادة والحسن كلهم بصريون، قال: [عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: (كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه كُرِب لذلك وتربد له وجهه)] يعني: أصابه كرب وهم وضيق.

وتربد: تغير وتلون وجهه صلى الله عليه وسلم لشدة هذا الأمر، كيف لا والله تعالى يقول: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:٥] فالقرآن والوحي ثقيل جداً؛ ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يشتد عرقه في الليلة الشديدة البرد إذا نزل عليه الوحي.

قال: [(قال: فأنزل عليه ذات يوم -أي: وحي- فلقي كذلك -أي: تغير وجهه- فلما سري عنه)] أي: لما كشف عنه وارتفع عنه الوحي وصعد جبريل إلى ربه، [(قال: خذوا عني.

قد جعل الله لهن سبيلاً)] وفي هذا إثبات أن السنة وحي من عند الله عز وجل؛ لأن هذه صورة الوحي التي كان ينزل بها جبريل عليه السلام، فلما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام من الحالة التي كان عليها قال: (خذوا عني) فلم يذكر قرآناً وإنما ذكر سنة، وفي هذا دليل على أن القرآن والسنة وحيان من عند الله عز وجل، وبينهما أوجه اتفاق وأوجه افتراق في الخصائص.

قال: [(خذوا عني.

فقد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة).

وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر - المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة وحدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام - وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي - عن أبيه كلاهما - أي: شعبة وهشام الدستوائي - عن قتادة بهذا الإسناد - أي: عن قتادة عن الحسن عن حطان عن عبادة [غير أن في حديثهما: (البكر يجلد وينفى -ولم يذكر سنة- والثيب يجلد ويرجم).

لا يذكران سنة ولا مائة] لم يذكرا: (جلد مائة)، فهذا لفظ عام يحمل على الألفاظ السابقة.