للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[شرح أحاديث سؤال النبي عن اللقطة]

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد: فنحن في كتاب اللقطة.

قال المصنف رحمه الله: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال: قرأت على مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن] وربيعة الرأي لم يكن كأهل الأثر في اتباع الأثر، وإنما دائماً كان مذهبه يميل إلى الرأي في الغالب.

قال: [وعن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة -أي: ما يلتقطه المرء ويأخذه- قال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة -يعني: أخبر بها الناس على مدار السنة- فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها)].

أي: وإلا فهي لك.

كأنه يسأله عن اللقطة وهي ما دون الحيوان، وهي ما يمكن أن يجده الإسان ويأخذه إما أن يكون ضالة وإما أن يكون لقطة، والفرق بين الاثنين أن الضالة: هي الحيوان من ذوات الأربع وما دون ذلك لقطة؛ لحديث: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة ثم سأله بعد ذلك عن الضالة).

إذاً: هناك فرق بين اللقطة وبين الضالة، فإذا ضاع على الإنسان ذهب أو خشب أو جماد أو غير ذلك فيقال عنه لقطة.

كذلك لو أنك وجدت شاة تمشي أو تائهة أو ضالة فأخذتها فلا تقول: أنا أخذت لقطة وإنما تقول: أنا أخذت ضالة، وقوله عن اللقطة: (اعرف عفاصها) العفاص: هو الإناء أو الوعاء الذي يوضع به هذا الشيء.

(ووكاءها) وهو الحبل الذي تربط به.

(ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا وشأنك بها) يعني: هي لك.

فسأله بعد ذلك عن ضالة الغنم.

قال: [(هي لك أو لأخيك أو للذئب)] يعني: إما أن تأخذها أو يأخذها غيرك أو يأكلها الذئب؛ لأن الغنم أو الماعز ضعيف يسطو عليه الذئب أو السبع فيأكله.

قال: [(فضالة الإبل قال: ما لك ولها -يعني: هذه لا تلتقط- معها سقاؤها وحذاؤها)].

سقاؤها: البعير عنده القدرة على أن يشرب من الماء الشيء الكثير فيخزن الماء في المعدة فإذا عطش استخدم هذا الماء الذي شربه.

وكذلك عنده القدرة على أن يأكل طعاماً فوق طاقته فيخزنه فإذا جاع أخرجه من المعدة إلى الفم فمضغه ثم ابتلعه مرة أخرى فيشبع بذلك.

وكذلك معها حذاؤها وهو الخف الذي تستطيع به السير، ومعها الطعام والشراب الذي تستطيع به الشبع فهي لا تحتاج إلى التقاط.

وبالتالي لا تكون ضالة.

قال: [(ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها)] أي: حتى يلقاها صاحبها.

وكره بعض الناس إطلاق كلمة الرب على الممتلكات، وهذا بلا شك كلام ترده الأدلة، والصحيح: أن هذه الأشياء تضاف إلى أصحابها من باب أنه ربها.

قال: [وحدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر، قال: ابن حجر أخبرنا وقال الآخران: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال: عرفها سنة -وهي مدة التعريف- ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها)].

يعني: أنفقها بعد مرور السنة بشرط ألا يظهر صاحبها.

[(فإن جاء ربها -أي: صاحبها- فأدها إليه)].

حتى بعد مرور السنة، وإن جاز للرجل أن يستنفق وأن ينتفع بهذه اللقطة إلا أنها لا تزال ديناً في ذمته إذا ظهر صاحبها ولو بعد مرور السنة.

[(فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضالة الغنم؟ قال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب.

قال: يا رسول الله: فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه، ثم قال: ما لك ولها؟)] يعني: أنه صلى الله عليه وسلم قضى وأفتى وهو غضبان، وفي كتاب الأقضية لا يجوز للقاضي أن يقضي وهو غضبان، وغضب النبي عليه الصلاة والسلام ليس كغضبنا إذا غضبنا فمنا من يتمالك نفسه ومنا من يهرف ويسرف فيما لا يعلم، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا ينطق إلا بالحق في حال غضبه وفي حال رضاه صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: [(معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها)].

قال: [وحدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني أبو سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعمرو بن الحارث وغيرهم أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثهم بهذا الإسناد مثل حديث مالك غير أنه زاد: (أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه فسأله عن اللقطة)].

كلمة (وأنا معه) قالها زيد بن خالد الجهني الذي هو راوي لهذا الحديث.

[(قال: فسأله عن اللقطة.

وقال عمرو - أي: عمرو بن الحارث - فإذا