للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ذلك امتازت شريعة الإسلام بأنها جمعت الأمرين فكانت وسطى لا إفراط ولا تفريط (فقال الله) تعالى في كتابه: (لهده الأمة {كتب عليكم القصاص في القتلى}) [البقرة: ١٧٨] إلى هذه الآية ({فمن عفي له من أخيه شيء}) [البقرة: ١٧٨] (قال ابن عباس) -رضي الله عنهما- مفسرًا لقوله تعالى: {فمن عفي} (فالعفو أن يقبل) وليّ المقتول (الدية في العمد) ويترك الدم (قال) ابن عباس أيضًا: {فاتباع بالمعروف} [البقرة: ١٧٨] هو (أن يطلب) ولي المقتول الدّية من القاتل (بمعروف) ولأبي ذر أن يطلب بضم التحتية وفتح اللام مبنيًّا للمفعول (ويؤدّي) القاتل الدّية (بإحسان). وذكر الطبري عن الشعبي أن هذه الآية نزلت في حيّين من العرب كان لأحدهما طول على الآخر في الشرف فكانوا يتزوجون من نسائهم بغير مهر وإذا قتل منهم عبد قتلوا به حرًّا أو امرأة قتلوا بها رجلاً.

[تنبيه:]

قال في الفتح قوله فقال الله لهذه الأمة: {كتب عليكم القصاص في القتلى} إلى هذه الآية {فمن عفي له من أخيه شيء} كذا وقع في رواية قتيبة ووقع هنا عند أبي ذر وأكثر ووقع هنا في رواية النسفيّ والقابسي إلى قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} ووقع في رواية ابن أبي عمر في مسنده ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج إلى قوله في هذه الآية، وبهذا يظهر المراد وإلا فالأول يوهم أن قوله فمن عفي له في آية تلي الآية المبدوء بها وليس كذلك انتهى.

٩ - باب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ

(باب) حكم (من طلب دم امرئ بغير حق).

٦٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ

جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِى الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِى الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ».

وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن عبد الله بن أبي حسين) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بضم الحاء المهملة النوفلي نسبه إلى جده قال: (حدّثنا نافع بن جبير) بضم الجيم مصغرًا ابن مطعم القرشي (عن ابن عباس) -رضي الله عنهما- (أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال):

(أبغض الناس إلى الله) أبغض أفعل التفضيل بمعنى المفعول من البغض وهو شاذ ومثله أعدم من العدم إذا افتقر وإنما يقال أفعل من كذا للمفاضلة في الفعل الثاني وقال في الصحاح وقولهم ما أبغضه لي شاذ لا يقاس عليه والبغض من الله إرادة إيصال المكروه والمراد بالناس المسلمون (ثلاثة) امرؤ (ملحد) بضم الميم وسكون اللام وكسر الحاء بعدها دال مهملتين مائل عن القصد (في الحرام) المكي. قال سفيان الثوري في تفسيره عن السدي عن مرة عن عبد الله يعني ابن مسعود: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه ولو أن رجلاً بعدن أبين همّ أن يقتل رجلاً بهذا البيت لأذاقه الله من عذاب أليم، وفي تفسير ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد بن سنان حدّثنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن السدّي أنه سمع مرّة يحدث عن عبد الله يعني ابن مسعود في قوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: ٢٥] قال لو أنّ رجلاً أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم. قال شعبة: هو رفعه لنا وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد عن يزيد بن هارون به. قال الحافظ ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري. ووقفه أشبه من رفعه ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود وكذا رواه إسباط وسفيان الثوري عن السدي عن مرّة عن ابن مسعود انتهى.

واستشكل فإن ظاهره أنّ فعل الصغيرة في المحرم المكي أشدّ من فعل الكبيرة في غيره. وأجيب: بأن الإلحاد في العرف مستعمل في الخارج عن الدين فإذا وصف به من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها وقد يؤخذ ذلك من سياق قوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: ٢٥] فإن الإتيان بالجملة الاسمية يفيد ثبوت الإلحاد ودوامه والتنوين للتعظيم فيكون إشارة إلى عظم الذنب، وقال ابن كثير: أي يهتم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، وقوله: (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأوّل، وقال ابن عباس فيما رواه عنه عليّ بن أبي طلحة (بظلم) بشرك. وقال مجاهد: أن يعبد غير الله وهذا من خصوصيات المحرم فإنه يعاقب الناوي فيه الشر إذا كان عازمًا عليه ولو لم يوقعه.

(و) ثاني الثلاثة الذين هم أبغض الناس إلى الله (مبتغ) بضم الميم وسكون الموحدة وبعد الفوقية غين معجمة طالب (في الإسلام

<<  <  ج: ص:  >  >>