للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان يشق عليهم الحلق، فمالوا إلى القصِّ والتقصير، فلما أمر -صلى اللَّه عليه وسلم- من لا هَدْي معه بالإحلال في الحديث الذي تقدم ذكره، وجدوا من ذلك في أنفسهم، فقالوا: كيف نحل وقد سمينا الحج؟ وإنما الحلق بعد أن يبلغ الهدي محِلَّه، واستبطأهم في ذلك، وقال لهم: "افعلوا ما آمركم به"، وقال: "لولا أني لبدت رأسي وسقت معي الهدي لأحللت وحلقت"، فلما أحلوا كان منهم من حلق ومنهم من قصر، ولم يحلق لما يجد في نفسه منه، فمن أجل ذلك سمح لهم بالدعاء بالرحمة والمغفرة، وقصر بالآخرين إلى أن استعطف عليهم وسئل في أمرهم فعمهم بالدعاء بعد.

(وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ نُسُكٌ يجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَوْ لَا؟، فَقَالَ مَالِكٌ (١): الْحِلَاقُ نُسُكٌ لِلْحَاجِّ وَلِلْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (٢) قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِلَاقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكًا أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ النُّسُكِ لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا).

عند أبي حنيفة: لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم يحلِقُ.


(١) هذا إجماع إلا ما استثناه أبو حنيفة مما ذكره المؤلف؛ ينظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٩٢)؛ حيث قال: "والحلاق نسك يجب على الحاج والمعتمر وهو أفضل من التقصير، ويجب على كُلِّ من فاته الحج أو أحصر بعدو أو مرض، وعليه جماعة الفقهاء إلا في المُحصَر بعدد. قال مالك: لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه ولا ينحر قبل الفجر إلى آخره، وهذا لا خلاف فيه".
(٢) يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٧٢)؛ حيث قال: "عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه تعالى إنما لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم يحلق؛ لأن الحلق عندهما مؤقت بالحرم، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما كان محصَرًا بالحديبية، وبعض الحديبية من الحرم على ما روي أن مضارب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت في الحل، ومصلاه في الحرم فإنما حلق في الحرم، وبه نقول".

<<  <  ج: ص:  >  >>