للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلو كان في هذا النذر أمرًا من الأُمور المنهية لأَمَرَه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بالابتعاد عن ذلك؛ حتى لا يقع في تعظيم الوَثَنِ أو العِيدِ مما يتنافى مع أصول الشريعة؛ فالله سبحانه وتعالى عندما أَمَرَ عبادَهُ بعَمَلِ الصالحات قَيَّدَ هذا الأمرَ بالإيمان، فقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)} [النساء: ١٢٤].

وقال سبحانه وتعالى في الآيةِ الأُخرى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)} [النحل: ٩٧].

هل النذر واجبٌ أم مُستَحَبٌّ؟

النذر ليس واجبًا؛ لأن وجوبه لم يَرِدْ بأصل الشريعة، وإنما جاءَ وُجوبُهُ بإيجاب الإنسان له على نفسه.

أما استحبابه فقد اختلف العلماء فيه على النحو التالي:

القول الأول: عدم استحبابه؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستَخرَج به من البخيل" (١)؛ هذا لأن الإنسان لا يحتاج أن يَنذِرَ حتى يَفعَلَ الخيرَ، وإنما يفعله من تلقاء نفسه دون حاجةٍ لِلنَّذْرِ، فالباب مفتوحٌ لعمل الخيرات وفيه سَعةٌ (٢)، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: ٢٦].


(١) أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩) واللفظ له.
(٢) قال الفاكهاني: "وكأن سبب الكراهة فيه: أن الناذر يصير ملتزمًا له، فيأتي به مع نوع من التكلف دون نشاط وانشراح، أو لكونه يأتي به لا على وجه التقرب المحض، بل على وجه المعاوضة للأمر الذي طلبه، أو يكون سبب الكراهة: أن بعض الجهلة يعتقد أن النذر يرد القدر، فنهى عنه خوفًا ممن يعتقد ذلك، ويقوي هذا: أن في بعض روايات مسلم: "أنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به متن الشحيح"، وفي رواية أُخرى: أنه - عليه الصلاة والسلام -: قال: "لا تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا". "رياض الأفهام" (٥/ ٣٢٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>