للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)}، وهم الأنصار الذين استقبَلوا إخوانهم المهاجِرِين إليهم ورحَّبوا بهم وآثروهم على أنفسهم، ولم يجدوا في صدورهم حاجةً مما يدفعونه إلى إخوانهم ويقدمونه لهم، ولا مما يجدونه من تقديم إخوانهم عليهم في بعض الأُمور والرُّتَب وتقديمهم في الخلافة وغير ذلك، فاستحق هذا الصنف كذلك أن يُسهَمَ لهَ من الفيء كسابقه.

الصنف الثالث: وهم من ذَكَرَهُم الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)}، وهم التابعون وأتباعهم وأتباع أتباعهم إلى يوم القيامة؛ لأنهم إنما ساروا على النهج السويِّ ولم يخالفوه إلى سواه من المناهج الفاسدة المعوَجَّةِ، فَالتَزَمُوا عقيدة التوحيد الخالص التي كان عليها منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، فاقتفوا آثار سابقيهم في كلِّ حركاتهم وسكناتهم.

هذا إلى جانب أنهم قد صَفَتْ قلوبُهم وخَلَت من أدناس (١) الغل والحقد والسوء، وهذا يظهر جليًّا في دعائهم لسابقيهم من إخوانهم، فطهُرَت قلوبُهم وسَمَتْ (٢) نفوسُهُم، حتى إنهم صار ينطبق عليهم وَصْفُ الله سبحانه وتعالى لأهل الجنة، في قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)}.

ومثل هذا من سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: كُنَّا يَوْمًا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ مِنْ هَذَا الفَجِّ (٣) رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"، قَالَ: فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الأَنْصَارِ


(١) "الدنس": ضد النظافة والنقاء. وجمع دنس أدناس. انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (٢/ ٦٤٨، ٦٤٩).
(٢) سما يسمو سموًّا: علا. يقال: سمت همته إلى معالي الأُمور إذا طلب العز والشرف. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (١/ ٢٩٠).
(٣) "الفج": الطريق الواسع في قبل جبل ونحوه، انظر: "العين" للخليل (٦/ ٢٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>