للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد لا يكون متعديًا لكنَّ المصلحة المرسلة تقتضي ذلك؛ مثل الصناع إذا لم يتعدوا، فأنت إذا ذهبت إلى إنسان ليخيط لك ثوبًا، أو ليصبغه، أو إلى مصنع من المصانع، فهذا نسميه أجيرًا مشتركًا، ويقول عنه الفقهاء بأنه ضامن، سواء تعدى أو لم يتعدَّ؛ وكونه تعدى ظاهر، أو لم يتعدى هذا هو الذي يريد يشير إليه المؤلف في قوله: "المصلحة"، والفقهاء في ذلك يعتمدون على ما أُثر عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - "أنه كان يضمن الصناع" (١)؛ لأن الصناع لو تُسُهِّل معهم وأعطوا الراحة في ذلك لربما ادعى كل إنسان أن هذا الثوب حصل في كذا ليس مني، أو كذا أو أنه ضاع أو غيره، فلما يَضمنون يحرصون على حقوق الناس، هذا أثرٌ عن علي، فهذا هو مستند القول في هذه المسألة والمؤلف سيذكر ذلك بشيء من التفصيل.

قوله: (فَأَمَّا بِالتَّعَدِّي: فَيَجِبُ عَلَى المُكْرِي بِاتِّفَاقٍ، وَالخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي نَوْعِ التَّعَدِّي الَّذِي يُوجِبُ ذَلِكَ أَوْ لَا يُوجِبُهُ، وَفِي قَدْرِهِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ العُلَمَاءِ فِي القَضَاءِ فِيمَنِ اكْتَرَى دَابَّةً إِلَى مَوْضِعٍ مَا، فَتَعَدَّى بِهَا إِلَى مَوْضِعٍ زَائِدٍ عَلَى المَوْضِعِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الكِرَاءُ).

يعني: تجاوز، هذا متعد، وسمِّي تعديًا نسبة إلى التعدي؛ لأنه تعدَّى على حق غيره، اتفق على قدر من المسافة فتجاوزها.

انظر إلى دقة الفقهاء؛ فمثلًا استأجرتَ سيارة إلى جدَّة فذهبت بها إلى مكة، فقد تجاوزت عدة أميال، تجاوزت المسافة؛ فهل تترك على راحتك تتصرف في حقوق الآخرين؟

انظر إلى جدة - الفقهاء واختلافهم، وكل له وجهة نظر، حتى تعرف أنَّ هذا الفقه ما جاء سدى، لم يجمعه الفقهاء بين عشية وضحاها، ولا أنه


(١) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٠٢)، بلفظ: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي: أنه كان يضمن الصباغ والصائغ، وقال: "لا يصلح للناس إلا ذاك"، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (١٤٩٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>