للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

الهادويةُ: إنْ كانَ الحاضرونَ الذينَ وقعَ بينَهم القتلُ منحصرينَ لزمتِ القَسَامةُ وجَرَى فيها حُكْمُها منَ الأيمانِ والديةِ، وإنْ كانُوا غيرَ منحصرينَ لزمتِ الديةُ في بيتِ المالِ، قالَ الخطابيُّ (١): اختُلِفَ هلْ تجبُ الديةُ في بيتِ المالِ أوْ لا، قالَ إسحاقُ بالوجوبِ وتوجيهُهُ منْ حيثُ المعنَى أنهُ مسلمٌ ماتَ بفعلِ قومٍ منَ المسلمينَ فوجبتْ دِيَتُهُ في بيتِ مالِ المسلمينَ، وذهبَ الحسنُ إلى أنَّ دِيَتَهُ تجبُ على جميعِ مَنْ حَضَر وذلكَ لأنهُ ماتَ بفعلِهمْ فلا يتعداهم إلى غيرِهِمْ.

وقالَ مالكٌ: إنهُ يُهْدَرُ لأنهُ إذا لم يوجدْ قاتلُه بِعَيْنِهِ استحالَ أنْ يُؤْخَذَ بهِ أحدٌ، وللشافعيِّ قولٌ إنهُ يقالُ لوليِّهِ: ادعُ عَلَى مَنْ شِئْتَ واحلفْ فإنْ حَلَفَ استحقَّ الديةَ، وإنْ نكلَ حلفَ المدَّعَى عليهِ على النفي وسقطتِ المطالبةُ وذلكَ لأنَّ الدَّمَ لا يجبُ إلَّا بالطلبِ، وإذا عرفتَ هذَا الاختلافَ وعدمَ المستَنَدِ القويِّ في أيّ هذِه الأقوالِ، وقدْ عرفتَ أنَّ سندَ الحديثِ قويٌّ كما قالَه المصنفُ، علمتَ أنَّ القولَ بهِ [أقوى] (٢) الأقوالِ.

المسألةُ الثانيةُ: في قولهِ: ومَنْ قُتِلَ عَمْدًا فهوَ قَوَدٌ، دليلٌ على أنَّ الذي يوجِبُهُ القتلُ عمدًا هوَ القَودُ عَيْنًا، وفي المسألةِ قولانِ:

الأولُ: أنهُ يجبُ القَوَدُ عَيْنًا وإليهِ ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وجماعةٌ، ويدلُّ لهمْ قولُه تعالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} (٣)، وحديثُ: (كتابُ اللهِ القصاصُ)، قالُوا: وأما الديةُ فلا تجبُ إلَّا إذا رضيَ الجاني ولا يُجْبَرُ الجاني على تسليمِها.

والقولُ الثاني: للهادويةِ وأحمدَ ومالكٍ وغيرِهم، وقولِ للشافعيِّ أنهُ يجبُ بالقتلِ عَمْدًا أحدُ أمريْنِ: القصاصِ أوِ الديةِ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "منْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ فهوَ بخيرِ النَّظَرَيْنِ: إما أنْ يقيَّدَ، وإما أن يَدِي"، أخرجَهُ أحمدُ (٤) والشيخانِ (٥) وغيرُهم.

وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ المرادَ منَ الحديثِ أنَّ وليَّ المقتولِ مخيَّرُ بشرطِ أنْ يرضَى


(١) انظر: "معالم السنن" للخطابي (٤/ ٦٧٦ - هامش السنن).
(٢) في (ب): "أولى".
(٣) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
(٤) في "المسند" (٢/ ٢٣٨).
(٥) البخاري رقم (١١٢)، ومسلم رقم (٤٤٧/ ١٣٥٥)، من حديث أبي هريرة.