للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قُلْتُ: إنَّ الإمام مَالكًا - رحمه الله - دائمًا يُدْخل المصلحة في كثيرٍ من الأحكام، ولا شك أن المصلحةَ معتبرةٌ؛ لأن هذه الشريعة قامت على أسسٍ، ومن هذه الأسس مُرَاعاة مصالح الناس، والمصلحةُ المرسلةُ (١) معتبرة شرعًا شريطة ألا تعارض نصًّا من كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ، فإذا الْتَقَتْ هذه المصلحة مع روح الشريعة الإسلاميَّة، وَاتَّفقت مع أُصُولها، حِينَئذٍ يُؤْخذ بها، وما أكثرَ المصالح التي نجدها الآن طبقت! فهذه الشريعة شريعة كاملة أُنْزلَت لتبقى إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.

قوله: (وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِتَقَدُّرِ الحَاجَةِ إِلَى اخْتِلَافِ المَبِيعَاتِ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ المَبِيعَاتِ، فَقَالَ: مِثْلُ اليَوْمِ وَاليَوْمَيْنِ فِي اخْتِيَارِ الثَّوْبِ).

واختيار الثَّوْب لا يحتاج إلى تفكيرٍ طويلٍ، فالثوبُ معروفٌ المصنع الذي صُنِعَ فيه، وكذا ومادَّته وَخَامته، فهو بِحَاجةٍ إلى أن يستشير فيه، وهذا لا يحتاج إلى وقتٍ طويلٍ.

قوله: (وَالجُمُعَةِ وَخَمْسَةِ الأَيَّامِ فِي اخْتِيَارِ الجَارِيَةِ ((٢).

لأنه يريد أن يعرفَ أمَانَتها وصِدْقها، وهذه أمورٌ دقيقةٌ لا تتبين في


(١) المصلحة يقصد بها ما فعل لجلب نفعٍ أو دفع ضرٍّ، والمصلحة المرسلة هي التي لم يرد فيها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو النفير. انظر: "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٢٠٥).
(٢) قال النفراوي في "الفواكه الدواني" (٢/ ٨٣): "الخيار لأحد المتبايعين لا يثبت إلا بالشرط أو العادة، وأنْ يَكُون ذلك الأجل معلومًا لهما، ونهايته إلى ما تختبر فيه تلك السلعة، فتختلف مدته باختلاف السلع، ولذلك قال خليل بعد قوله: إنما الخيار بشرط كشهر في دار ولا يسكن وكجمعة في رفيق واستخدمه، وكثلاثة في دابة وكيوم لركوبها في البلد ولركوبها في خارجها يكفي البريد ونحوه، وكثلاثة في ثوب أو سفينة أو كتاب أو غيرهما مما ليس بحيوان ولا عقار ولا رقيق. وأما نحو الدجاج والطيور وبقية الحيوانات التي لا عمل لها فالظاهر أن مدة الخيار فيها ليست كذلك لإسراع التغير لها، فتكون مدة الخيار فيها ما لا تتغير فيه، ويقاس عليها سائر الفواكه والأطعمة التي تفسد بالتأخير".

<<  <  ج: ص:  >  >>