للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

التَّطْهِير بِالنَّزْح

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْبِئْرَ الصَّغِيرَةَ - وَهِيَ مَا دُونَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةٍ - يَنْجُسُ مَاؤُهَا بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ فِيهَا، وَإِنْ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ مِنْ غَيْرِ الأَرْوَاثِ كَقَطْرَةِ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ، وَلِكَيْ تَطْهُرَ يُنْزَحُ مَاؤُهَا كَمَا تُنْزَحُ بِوُقُوعِ خِنْزِيرٍ فِيهَا وَلَوْ خَرَجَ حَيًّا وَلَمْ يُصِبْ فَمُهُ الْمَاءَ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ.

وَتُنْزَحُ بِمَوْتِ كَلْبٍ فِيهَا، فَإِذَا لَمْ يَمُتْ وَخَرَجَ حَيًّا وَلَمْ يَصِلْ فَمُهُ الْمَاءَ لا يَنْجُسُ، لأَنَّهُ غَيْرُ نَجِسِ الْعَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ.

كَمَا تُنْزَحُ أَيْضًا بِمَوْتِ شَاةٍ أَوْ مَوْتِ آدَمِيٍّ فِيهَا، لِنَزْحِ مَاءِ زَمْزَمَ بِمَوْتِ زِنْجِيٍّ وَأَمْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِهِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

وَتُنْزَحُ بِانْتِفَاخِ حَيَوَانٍ وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا لانْتِشَارِ النَّجَاسَةِ، فَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْحُهَا نُزِحَ مِنْهَا وُجُوبًا مِائَتَا دَلْوٍ وَسَطٍ، وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي تِلْكَ الْبِئْرِ، وَقَدَّرَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْوَاجِبَ بِمِائَتَيْ دَلْوٍ لَوْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْحُهَا، وَأَفْتَى بِهِ لَمَّا شَاهَدَ آبَارَ بَغْدَادَ كَثِيرَةَ الْمِيَاهِ لِمُجَاوَرَةِ دِجْلَةَ.

وَإِنْ مَاتَ فِي الْبِئْرِ دَجَاجَةٌ أَوْ هِرَّةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا فِي الْجُثَّةِ وَلَمْ يَنْتَفِخْ لَزِمَ نَزْحُ أَرْبَعِينَ دَلْوًا بَعْدَ إِخْرَاجِ الْوَاقِعِ مِنْهَا، رُوِيَ التَّقْدِيرُ بِالأَرْبَعِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدَّجَاجَةِ، وَمَا قَارَبَهَا يُعْطَى حُكْمَهَا، وَتُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ إِلَى خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ.

وَإِنْ مَاتَ فِيهَا فَأرَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَعُصْفُورٍ وَلَمْ يَنْتَفِخْ لَزِمَ نَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا بَعْدَ إِخْرَاجِهِ، لِقَوْلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فَأرَةٍ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا: يُنْزَحُ عِشْرُونَ دَلْوًا، وَتُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ إِلَى ثَلاثِينَ لاحْتِمَالِ زِيَادَةِ الدَّلْوِ الْمَذْكُورِ فِي الأَثَرِ عَلَى مَا قُدِّرَ بِهِ مِنَ الْوَسَطِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْزُوحُ طَهَارَةً لِلْبِئْرِ وَالدَّلْوِ وَالرِّشَا وَالْبَكَرَةِ وَيَدِ الْمُسْتَسْقَى، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ، لأَنَّ نَجَاسَةَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ كَانَتْ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، فَتَكُونُ طَهَارَتُهَا بِطَهَارَتِهِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ، كَطَهَارَةِ دَنِّ الْخَمْرِ بِتَخَلُّلِهَا، وَطَهَارَةِ عُرْوَةِ الأَبْرِيقِ بِطَهَارَةِ الْيَدِ إِذَا أَخَذَهَا كُلَّمَا غَسَلَ يَدَهُ.

وَلا تُنَجَّسُ الْبِئْرُ بِالْبَعْرِ وَهُوَ لِلإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَالرَّوْثِ - لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَالْخِثْيِ لِلْبَقَرِ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ آبَارِ الأَمْصَارِ وَالْفَلَوَاتِ فِي الصَّحِيحِ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِشُمُولِ الضَّرُورَةِ، فَلا تُنَجَّسُ إِلا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ أَوْ أَنْ لا يَخْلُوَ دَلْوٌ عَنْ بَعْرَةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَالْقَلِيلُ مَا يَسْتَقِلُّهُ وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ.

وَلا يُنَجَّسُ الْمَاءُ بِخُرْءِ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ، وَلا بِمَوْتِ مَا لا دَمَ لَهُ فِيهِ كَسَمَكٍ وَضُفْدَعٍ، وَلا بِوُقُوعِ آدَمِيٍّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِذَا خَرَجَ حَيًّا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةً، وَلا بِوُقُوعِ بَغْلٍ وَحِمَارٍ وَسِبَاعِ طَيْرٍ وَوَحْشٍ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنْ وَصَلَ لُعَابُ الْوَاقِعِ إِلَى الْمَاءِ أَخَذَ حُكْمَهُ، وَوُجُودُ حَيَوَانٍ مَيِّتٍ فِيهَا يُنَجِّسُهَا مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمُنْتَفِخٍ مِنْ ثَلاثَةِ أَيَّامِ وَلَيَالِيهَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَقْتُ وُقُوعِهِ. (١)

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا مَاتَ بَرِّيٌّ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ فِي بِئْرٍ فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا وَجَبَ نَزْحُهُ حَتَّى يَزُولَ التَّغَيُّرُ وَيَعُودَ كَهَيْئَتِهِ أَوَّلا طَاهِرًا مُطَهِّرًا، فَإِنْ زَالَ بِنَفْسِهِ فَالظَّاهِرُ عَوْدُهُ إِلَى أَصْلِهِ، فَيَصِيرُ طَهُورًا خِلافًا لابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ الْبُنَانِيُّ: الأَرْجَحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَالأَجْهُورِيُّ، وَقَالَ عَبْدُ الْبَاقِي: لا يَطْهُرُ، وَرَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ ابْنِ وَهْبٍ. وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ نُدِبَ النَّزْحُ بِقَدْرِ الْمَاءِ قِلَّةً وَكَثْرَةً، وَالْحَيَوَانِ صِغَرًا وَكِبَرًا، وَأَمَّا إِنْ وَقَعَ حَيًّا أَوْ طُرِقَ مَيِّتًا وَأُخْرِجَ فَلا نَزْحَ وَلا كَرَاهَةَ.

وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إِنْ مَاتَ بَرِّيٌّ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ بِمَاءٍ لا مَادَّةَ لَهُ كَالْجُبِّ لا يُشْرَبُ مِنْهَا وَلا يُتَوَضَّأُ، وَيُنْزَحُ الْمَاءُ كُلُّهُ، بِخِلافِ مَا لَهُ مَادَّةٌ.

وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ فِي ثِيَابٍ أَصَابَهَا مَاءُ بِئْرٍ وَقَعَتْ فِيهِ فَأرَةٌ فَمَاتَتْ وَتَسَلَّخَتْ: يُغْسَلُ الثَّوْبُ وَتُعَادُ الصَّلاةُ فِي الْوَقْتِ.

وَقَالَ الدَّرْدِيرُ عَلَى أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ: وَإِذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَوِ الْكَثِيرِ لَهُ مَادَّةٌ أَوْ لا كَالصَّهَارِيجِ - وَكَانَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَيْ دَمٌ يَجْرِي مِنْهُ إِذَا جُرِحَ - فَإِنَّهُ يُنْدَبُ النَّزْحُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَيَوَانِ مَنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ، وَبِقَدْرِ الْمَاءِ مِنْ قِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، إِلَى ظَنِّ زَوَالِ الْفَضَلاتِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ فِيهِ حَالَ خُرُوجِ رُوحِهِ فِي الْمَاءِ.

وَيُنْقِصُ النَّازِحُ الدَّلْوَ لِئَلا تَطْفُوَ الدُّهْنِيَّةُ فَتَعُودَ لِلْمَاءِ ثَانِيًا، وَالْمَدَارُ عَلَى ظَنِّ زَوَالِ الْفَضَلاتِ.

فَلَوْ أُخْرِجَ الْحَيَوَانُ مِنَ الْمَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَيِّتًا، أَوْ كَانَ جَارِيًا أَوْ مُسْتَبْحِرًا كَغَدِيرٍ عَظِيمٍ جِدًّا، أَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ بَحْرِيًّا كَحُوتٍ، أَوْ بَرِّيًّا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَعَقْرَبٍ وَذُبَابٍ، لَمْ يُنْدَبِ النَّزْحُ، فَلا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا لا يُكْرَهُ بَعْدَ النَّزْحِ. هَذَا مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ بِالْحَيَوَانِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا تَنَجَّسَ لأَنَّ مَيْتَتَهُ نَجِسَةٌ. (٢)

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مَاءَ الْبِئْرِ كَغَيْرِهِ فِي قَبُولِ النَّجَاسَةِ وَزَوَالِهَا، فَإِنْ كَانَ قَلِيلا وَتَنَجَّسَ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُنْزَحَ لِيَنْبُعَ الْمَاءُ الطَّهُورُ بَعْدَهُ، لأَنَّهُ وَإِنْ نُزِحَ فَقَعْرُ الْبِئْرِ يَبْقَى نَجِسًا، وَقَدْ تَنْجُسُ جُدْرَانُ الْبِئْرِ أَيْضًا بِالنَّزْحِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لِيَزْدَادَ فَيَبْلُغَ حَدَّ الْكَثْرَةِ.

وَإِنْ كَانَ نَبْعُهَا قَلِيلا لا تُتَوَقَّعُ كَثْرَتُهُ صُبَّ فِيهَا مَاءٌ لِيَبْلُغَ الْكَثْرَةَ وَيَزُولَ التَّغَيُّرُ إِنْ كَانَ تَغَيَّرَ.

وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا طَاهِرًا وَتَفَتَّتَ فِيهِ شَيْءٌ نَجِسٌ كَفَأرَةٍ تَمَعَّطَ شَعْرُهَا فَقَدْ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ لِكَثْرَتِهِ وَعَدَمِ التَّغَيُّرِ، لَكِنْ يَتَعَذَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، لأَنَّهُ لا يَنْزَحُ دَلْوًا إِلا وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَقَى الْمَاءُ كُلُّهُ لِيَخْرُجَ الشَّعْرُ مِنْهُ.

فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فَوَّارَةً وَتَعَذَّرَ نَزْحُ الْجَمِيعِ نَزَحَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الشَّعْرَ خَرَجَ كُلُّهُ مَعَهُ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبِئْرِ وَمَا يَحْدُثُ طَهُورٌ لأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَيْقِنِ النَّجَاسَةِ وَلا مَظْنُونِهَا، وَلا يَضُرُّ احْتِمَالُ بَقَاءِ الشَّعْرِ.

فَإِنْ تَحَقَّقَ شَعْرًا بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمَ بِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ النَّزْحِ إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لا يَخْلُو كُلُّ دَلْوٍ عَنْ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَةِ لَكِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ قَوْلانِ. (٣)

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ بِئْرٍ بَالَ فِيهَا إِنْسَانٌ؟ قَالَ: تُنْزَحُ حَتَّى تَغْلِبَهُمْ، قُلْتُ: مَا حَدُّهُ؟ قَالَ: لا يَقْدِرُونَ عَلَى نَزْحِهَا، وَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْغَدِيرُ يُبَالُ فِيهِ، قَالَ: الْغَدِيرُ أَسْهَلُ وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأسًا، وَقَالَ فِي الْبِئْرِ يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ: هُوَ وَاقِفٌ لا يَجْرِي لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي، يَعْنِي أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالْبَوْلِ فِيهِ إِذَا أَمْكَنَ نَزْحُهُ.

وَلا فَرْقَ بَيْنَ الْبَوْلِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ بِئْرٍ غَزِيرَةٍ وَقَعَتْ فِيهِ خِرْقَةٌ أَصَابَهَا بَوْلٌ. قَالَ: تُنْزَحُ، وَقَالَ فِي قَطْرَةِ بَوْلٍ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ: لا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَذَلِكَ لأَنَّ سَائِرَ النَّجَاسَاتِ لا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بِئْرُ الْمَاءِ مُلاصِقَةً لِبِئْرٍ فِيهَا بَوْلٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ وَشَكَّ فِي وُصُولِهَا إِلَى الْمَاءِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: يَكُونُ بَيْنَ الْبِئْرِ وَالْبَالُوعَةِ مَا لَمْ يُغَيِّرْ طَعْمًا وَلا رِيحًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ فَلا بَأسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهَا، وَذَلِكَ لأَنَّ الأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَلا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ أَحَبَّ عِلْمَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَلْيَطْرَحْ فِي الْبِئْرِ النَّجِسَةِ نِفْطًا، فَإِنْ وَجَدَ رَائِحَتَهُ فِي الْمَاءِ عَلِمَ وُصُولَهُ إِلَيْهِ وَإِلا فَلا.

وَإِذَا نَزَحَ مَاءَ الْبِئْرِ النَّجِسَ فَنَبَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَاءٌ أَوْ صُبَّ فِيهِ فَهُوَ طَاهِرٌ، لأَنَّ أَرْضَ الْبِئْرِ مِنْ جُمْلَةِ الأَرْضِ الَّتِي تَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَجُسَتْ جَوَانِبُ الْبِئْرِ فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ لأَنَّهُ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَأَشْبَهَ رَأسَ الْبِئْرِ.

وَالثَّانِيَةُ: لا يَجِبُ لِلْمَشَقَّةِ اللاحِقَةِ بِذَلِكَ فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَحَلِّ الاسْتِنْجَاءِ وَأَسْفَلِ الْحِذَاءِ. (٤)


(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٢١، ٢٢، والاختيار شرح المختار ١/ ١٦ ـ ١٧ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، وفتح القدير ١/ ٦٨ ـ ٧٤، وحاشية ابن عابدين ١/ ١٤١ ـ ١٤٨.
(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١/ ٤٣ ـ ٤٥، والشرح الصغير ١/ ٤١، وجواهر الإكليل ١/ ١٨، وحاشية الدسوقي ١/ ٤٦، والقوانين الفقهية ص ٤٠، وحاشية الرهوني ١/ ٥٨، ٥٩.
(٣) روضة الطالبين ١/ ٢٥ ط المكتب الإسلامي، ونهاية المحتاج ١/ ٦٣ ـ ٦٧.
(٤) المغني لابن قدامة مع الشرح ١/ ٣٧، ٣٨ دار الكتاب العربي.