للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

(ش) , وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ , وَيَسْجُدُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى عِمَامَتِهِ (١). (٢)


(١) قال الألباني في الضعيفة: ٤٨١٣ - (شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحر في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا). منكر بهذا التمام
أخرجه البيهقي (٢/ ١٠٧) من طريق معلى بن أسد: حدثنا وهيب بن خالد عن محمد بن جحادة عن سليمان بن أبي هند عن خباب بن الأرت به.
وأخرجه البخاري في "التاريخ" (٢/ ٢/ ٤١) من طريق حبان: أخبرنا وهيب به مختصراً دون قوله: في جباهنا وأكفنا.
قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير سليمان هذا؛ فهو مجهول الحال؛ قال ابن أبي حاتم (٢/ ١/ ١٤٨): "روى عن سالم بن عبد الله. روى عنه إسماعيل بن سميع، ومحمد بن جحادة".
قلت: فهو - إلى جهالته - لم يصرح بسماعه من خباب، فلم يثبت أنه تابعي؛ فالانقطاع محتمل.
فإن قيل: فقد جاء الحديث من رواية زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن خباب بن الأرت به حرفياً؛ إلا أنه قال: "الرمضاء" بدل: "الحر".أخرجه البيهقي (٢/ ١٠٥)! فأقول: نعم، ولكنه معلول بعلتين: الأولى: التدليس. والأخرى: الاختلاط.
أما الأولى؛ فمن زكريا بن أبي زائدة؛ فإنه - وإن كان ثقة ومن رجال الشيخين -؛ فقد قال الحافظ: "كان يدلس، وسماعه من أبي إسحاق متأخر".
والأخرى؛ من أبي إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي -؛ فإنه كان اختلط بآخره كما في "التقريب"، وقد سمع منه زكريا بن أبي زائدة بعد اختلاطه؛ كما يشير إلى ذلك قول الحافظ المتقدم.
وإذا عرفت هذا؛ فقول النووي - رحمه الله - في "المجموع" (٣/ ٣٩٦): "إسناده جيد"! فهو غير جيد؛ لا سيما وله علة أخرى وهي المخالفة؛ فقد روى الحديث جماعة من الثقات عن أبي إسحاق، فلم يذكروا فيه الزيادة السابقة: في جباهنا وأكفنا. فإليك تخريج أحاديثهم:
الأول: شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن وهب به. أخرجه الطيالسي (١/ ٧٠/ ٢٧٣)، وأحمد (٥/ ١٠٨،١١٠)، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٣٤٥).
الثاني: سفيان الثوري: حدثنا أبو إسحاق به. أخرجه أبو عوانة، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ١٠٩). وشعبة والثوري؛ سمعا من أبي إسحاق قبل الاختلاط، فروايتهما عنه هي العمدة.
الثالث: زهير - وهو ابن معاوية -: حدثنا أبو إسحاق به. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم. أخرجه مسلم (٢/ ١٠٩)، والنسائي (١/ ٨٦)، والبيهقي (١/ ٤٣٨).
الرابع: أبو الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحاق به. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٢٣)، وعنه مسلم.
الخامس: زياد بن خيثمة عن أبي إسحاق به؛ وزاد: قال أبو إسحاق: كان يعجل الظهر؛ فيشتد عليهم الحر. أخرجه الطحاوي.
السادس: يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق قال: حدثني سعيد بن وهب به؛ وزاد: وقال: "إذا زالت الشمس فصلوا".
أخرجه البيهقي، والطحاوي؛ إلا أنه لم يسق لفظه. ورجاله ثقات؛ فهو إسناد صحيح؛ لولا أن يونس بن أبي إسحاق سمع من جده أبي إسحاق بعد الاختلاط.
السابع: الأعمش قال: حدثنا أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب - أو من هو مثله من أصحابه -: قال خباب ... فذكره. أخرجه الطحاوي، وابن ماجه (١/ ٢٣١)؛ إلا أنه لم يذكر قوله: أو من هو مثله من أصحابه. وإني لأظن أنه يعني - بهذا القول - سعيد بن وهب الذي في الطرق السابقة.
وبالجملة؛ فهذه الطرق كلها تؤكد أن ذكر الجباه والأكف - في حديث خباب منكر غير معروف ولا ثابت. ويؤيد ذلك: حديث معاوية بن هشام عن سفيان عن زيد بن جبيرة عن خشف بن مالك عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال ... فذكره مثل حديث زكريا عن خباب. أخرجه ابن ماجه. لكن زيد بن جبيرة متروك؛ فلا يستشهد به.
والخلاصة: أن ذكر الجباه والأكف في الحديث لا يصح. وبذلك تضعف حجة الرافعي وغيره من الشافعية الذين استدلوا بالحديث على أن السجود على حائل دون الجبهة لا يجزىء!
وأما قول النووي عقب الحديث: "وقد اعترض بعضهم على أصحابنا في احتجاجهم بهذا الحديث لوجوب كشف الجبهة، وقال: هذا ورد في الإبراد! وهذا الاعتراض ضعيف؛ لأنهم شكوا حر الرمضاء في جباههم وأكفهم، ولو كان الكشف غير واجب لقيل لهم: استروها، فلما لم يقل ذلك؛ دل على أنه لا بد من كشفها"!!
فأقول: هذا التضعيف هو الضعيف، بل هو باطل! وبيانه من وجوه:
الأول: أنه مبني على ثبوت ذكر الجبهة في الحديث؛ وهو غير ثابت؛ كما عرفته من التحقيق السابق، فسقط الاستدلال به من أصله.
الثاني: أن الحديث لو كان الاستدلال به على ما ذكروا؛ للزمهم القول بوجوب السجود على الكفين دون حائل أيضاً؛ لأنهما قد ذكرا فيه مع الجبهة كما سبق! وهم لا يقولون بذلك، على ما هو الصحيح عندهم، وهو المنصوص في عامة كتب الشافعي كما قال النووي (٣/ ٤٠٤). فثبت أن الحديث لا يدل على الوجوب المزعوم، وهذا على فرض ثبوته، فكيف وهو غير ثابت؟!
الثالث: أنه ثبت عن أنس أنه قال: كنا إذا صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود. أخرجه الشيخان، والبيهقي (٢/ ١٠٦) - واللفظ له -.
وأما حمل الشافعية هذا الحديث على الثوب المنفصل عن المصلي - كما فعل البيهقي والنووي -؛ فهو ضعيف مخالف لظاهر قوله: طرف الثوب! لأن المتبادر منه أنه الثوب المتصل به؛ لا سيما وهم في المسجد وليس فيه قرش، مع أن الغالب من حالهم قلة الثياب، وأنه ليس لأحدهم إلا ثوبه المتصل به.
الرابع: قال الحسن البصري: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢٦٦)، والبيهقي (٢/ ١٠٦). قلت: وهذا إسناد صحيح.
وقول البيهقي: "يحتمل أن يكون أراد: يسجد الرجل منهم على عمامته وجبهته"!! رده ابن التركماني بقوله: "قلت: هذه الزيادة من غير دليل: إذ لا ذكر للجبهة".
وجملة القول؛ أنه لا دليل على عدم جواز السجود على حائل متصل؛ لا سيما والأدلة كثيرة جداً على جواز السجود على حائل منفصل، كالبساط والحصير ونحو ذلك؛ مما يفصل بين الجبهة والأرض، والتفرقة بين الحائل المتصل والحائل المنفصل من الثياب - مع أنه لا دليل عليه في النقل -؛ فهو مع ذلك مما لا يشهد النظر السليم بصحته؛ لأنه إن كان الغرض إنما هو مباشرة الأرض بالسجود مبالغة في الخضوع لله تعالى؛ فهو غير حاصل بالحائل المنفصل أيضاً.
فإن قيل: إذا لم تثبت الزيادة المذكورة في الحديث؛ فما هو المقصود من الحديث بعد إسقاط الزيادة منه؟
والجواب: ما جاء في "النهاية" لابن الأثير - بعد أن ذكر الحديث -: "أي: شكوا إليه حر الشمس وما يصيب أقدامهم منه إذا خرجوا إلى صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها قليلاً (فلم يشكهم)؛ أي: لم يجبهم إلى ذلك، ولم يزل شكواهم، يقال: أشكيت الرجل: إذا أزلت شكواه، وإذا حملته على الشكوى. وهذا الحديث يذكر في مواقيت الصلاة؛ لأجل قول أبي إسحاق - أحد رواته - وقيل له: في تعجيلها؟ فقال: نعم. والفقهاء يذكرونه في السجود؛ فإنهم كانوا يضعون أطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدة الحر، فنهوا عن ذلك"!! كذا قال! ورده أبو الحسن السندي بقوله: "قلت: وهذا التأويل بعيد، والثابت أنهم كانوا يسجدون على طرف الثوب.
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمرهم بالإبراد، ويحتمل أنهم طلبوا منه زيادة تأخير الظهر على وقت الإبراد، فلم يجبهم إلى ذلك.
وقيل: معناه: فلم يشكنا؛ أي: لم يحوجنا إلى الشكوى، ورخص لنا في الإبراد. وعلى هذا يظهر التوفيق بين الأحاديث". أ. هـ
(٢) (ش) ٢٧٣٩ , (هق) ٢٤٨٩ , صححه الألباني في مختصر صحيح البخاري تحت حديث: ٢١٥