للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

(ت) , وَعَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ " جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى , فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي , وَإِلَّا فلَا " , فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ , فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَهِيَ تَضْرِبُ , ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَهِيَ تَضْرِبُ , ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ رضي الله عنه وَهِيَ تَضْرِبُ , ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ رضي الله عنه فَأَلْقَتْ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا (١) ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ , إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ , فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ , ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ , ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ , فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتْ الدُّفَّ " (٢)


(١) أَيْ: أَلْيَتِهَا. تحفة الأحوذي - (ج ٩ / ص ١٠١)
(٢) (ت) ٣٦٩٠ , (حم) ٢٣٠٣٩ , صححه الألباني في الإرواء: ٢٥٨٨، والصَّحِيحَة: ١٦٠٩، ٢٢٦١
وقال الألباني في الصَّحِيحَة ح١٦٠٩: قد يُشْكِل هذا الحديث على بعض الناس , لأن الضربَ بالدف معصية في غير النكاح والعيد , والمعصية لَا يجوز نذرُها وَلَا الوفاء بها , والذي يبدو لي في ذلك , أن نذرها لِما كان فرحا منها بقدومه صلى الله عليه وسلم صالحا سالما منتصرا , اغتُفر لها السبب الذي نذرته لإظهار فرحها خصوصية له صلى الله عليه وسلم دون الناس جميعا , فلا يؤخذ منه جواز الدُّف في الأفراح كلها , لأنه ليس هناك من يُفرح به كالفرح به صلى الله عليه وسلم ولمنافاة ذلك لعموم الأدلة المحرِّمة للمعازف والدفوف وغيرها , إِلَّا ما استثني كما ذكرنا آنفا. أ. هـ
وقال في الصَّحِيحَة ح٢٢٦١: (تنبيه): جاء عقب حديث بريدة في " موارد الظمآن " (٤٩٣ - ٤٩٤/ ٢٠١٥) زيادة: " وقالت: أشرق البدر علينا، من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا، ما دعا لله داع "، وذكر محققه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة رحمه الله تعالى في الحاشية أن هذه الزيادة من الهامش، وبخط يخالف خط الأصل. وكم كنت أتمنى على الشيخ رحمه الله أن لَا يطبعها في آخر الحديث، وأن يدعها حيث وجدها " في الهامش " وأن يكتفي بالتنبيه عليها في التعليق، خشيةَ أن يغتر بها بعض من لَا علم عنده، فإنها زيادة باطلة، لم ترد في شيء من المصادر المتقدمة , ومنها " الإحسان " الذي هو " صحيح ابن حبان " مرتبا على الأبواب الفقهية، بل ليس لها أصل في شيء من الأحاديث الأخرى، على شُهرتها عند كثير من العامة , وأشباههم من الخاصة , أن النبي صلى الله عليه وسلم استُقْبِل بذلك من النساء والصبيان حين دخل المدينة في هجرته من مكة، ولا يصح ذلك كما كنت بينتُه في " الضعيفة " (٢/ ٦٣ / ٥٩٨)، ونبهتُ عليه في الرد على المنتصر الكتاني (ص ٤٨) واستندتُ في ذلك على الحافظ العراقي، والعلامة ابن قيم الجوزية
وقد يظن بعضهم أن كل ما يُروى في كتب التاريخ والسيرة أن ذلك صار جزءا لَا يتجزأ من التاريخ الإسلامي، لَا يجوز إنكار شيء منه! , وهذا جهل فاضح، وتَنَكُّرٌ بالغ للتاريخ الإسلامي الرائع، الذي يتميز عن تواريخ الأمم الأخرى بأنه هو وحده الذي يملك الوسيلة العلمية لتمييز ما صح منه مما لم يصح، وهي نفس الوسيلة التي يميَّزُ بها الحديث الصحيح من الضعيف، أَلَا وهو الإسناد الذي قال فيه بعض السلف: لولا الإسناد , لقال من شاء ما شاء , ولذلك لمَّا فقدت الأمم الأخرى هذه الوسيلة العظمى , امتلأ تاريخها بالسخافات والخرافات، ولا نذهب بالقراء بعيدا، فهذه كتبهم التي يُسَمُّونها بالكتب المقدسة، اختلط فيها الحابل بالنابل، فلا يستطيعون تمييز الصحيح من الضعيف مما فيها من الشرائع المنزلة على أنبيائهم، ولا معرفة شيء من تاريخ حياتهم أبد الدهر، فهم لَا يزالون في ضلالهم يعمهون، وفي دياجير الظلام يتيهون! , فهل يريد منا أولئك الناس أن نستسلم لكل ما يقال: إنه من التاريخ الإسلامي , ولو أنكره العلماء؟، ولو لم يرد له ذكر إِلَّا في كتب العجائز من الرجال والنساء؟! وأن نكفر بهذه المزية التي هي من أعلى وأغلى ما تميز به تاريخ الإسلام؟!
وأنا أعتقد أن بعضهم لَا تخفى عليه المزية , ولا يُمكنه أن يكون طالب علم , بل عالما دونها، ولكنه يتجاهلها , ويغض النظر عنها , سَترًا لجهله بما لم يصح منه فيتظاهر بالغيرة على التاريخ الإسلامي، ويبالغ في الإنكار على من يُعَرِّفُ المسلمين ببعض ما لم يصح منه، بطرا للحق، وغَمْطًا للناس. والله المستعان.
(فائدة): من المعلوم أن (الدُّف) من المعازف المحرمة في الإسلام , والمتفَق على تحريمها عند الأئمة الأعلام، كالفقهاء الأربعة وغيرهم , وجاء فيها أحاديث صحيحة
خرَّجْتُ بعضها في غير مكان، وتقدم شيء منها في الصحيحة برقم (٩ و١٨٠٦)، ولا يحل منها إِلَّا الدُّف وحده في العرس والعيدين، فإذا كان كذلك فكيف أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لها أن تفي بنذرها؟ , ولا نذر في معصية الله تعالى. والجواب - والله أعلم -: لمَّا كان نذرها مقرونا بفرحها بقدومه صلى الله عليه وسلم من الغزو سالما، ألحقه صلى الله عليه وسلم بالضرب على الدف في العرس والعيد , وما لَا شك فيه، أن الفرح بسلامته صلى الله عليه وسلم أعظم - بما لَا يقاس - من الفرح في العرس والعيد، ولذلك يبقى هذا الحكم خاصا به صلى الله عليه وسلم لَا يقاس به غيره، لأنه من باب قياس الحدَّادين على الملائكة، كما يقول بعضهم , وقد ذكر نحو هذا الجمع الإمام الخطابي في " معالم السنن "، والعلامة صديق حسن خان في " الروضة الندية " (٢/ ١٧٧ - ١٧٨). أ. هـ