للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[صور من صبر الصحابة على تعذيب المشركين وأذاهم لهم]

من صور التعذيب والأذى الذي حصل للصحابة: ما وقع لـ بلال رضي الله عنه، فقد كان المشركون يخرجون بـ بلال بن رباح رضي الله عنه في شدة الحر إلى بطحاء مكة المحرقة، فيبطح على بطنه، ثم يأتون بالحجارة الحارة فتوضع على ظهره، ويقول له سادته: لا نزيل عنك هذا العذاب حتى تكفر بمحمد، فلا يزيد على أن يقول: أحد أحد، أحد أحد، لا يصرفه ذلك عن دينه.

ولقد أتي بـ عمار بن ياسر رضي الله عنه وأمه وأبيه وجميع الأسرة، فوقعوا تحت عذاب المشركين في تلك الفترة، ولقد مات طائفة منهم تحت العذاب، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر بهم فلا يزيد على أن يقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).

ثم بعد ذلك يفكر المسلمون بالهجرة، وكان من بين المهاجرين الأتقياء صهيب الرومي رضي الله عنه، فيأخذ شيئاً من ماله ويلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعترض المشركون سبيله ويقولون له: يا صهيب! أنت رجل صانع فينا، أتيتنا فقيراً وأنت اليوم تملك هذه الأموال، فيقول لهم: وماذا تريدون مني وألحق بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نريد منك أن تدلنا على كل أموالك، فيقول: هذه أموالي كلها، خذوها واتركوني ألحق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيسلمهم كل ما يملك؛ فراراً بدينه ولحوقاً بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا يكاد يصل إلى المدينة المنورة حتى يسمع المسلمين يتلون فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ويبشره الرسول صلى الله عليه وسلم بما نزل في شأنه وهو قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي} [البقرة:٢٠٧]، أي: يبيع {نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:٢٠٧] هذه الآية نزلت في صهيب رضي الله عنه؛ لأنه باع نفسه لله عز وجل بكل ما يملك من أموال الحياة الدنيا.