للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَجَدْنَاهَا عِبَارَةً عَنْ زَمَانِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى مَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَيْلًا مَعَ بَقَاءِ الضَّوْءِ فِيهِ فَثَبَتَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّهَارِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَيْلًا، وَأَنْ لَا يُوجَدَ/ النَّهَارُ إِلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الْقُرْصِ، فَهَذَا تَقْرِيرُ قَوْلِ الْأَعْمَشِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ سَلَّمَ أَنَّ أَوَّلَ النَّهَارِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَقَاسَ عَلَيْهِ آخِرَ النَّهَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ الْإِفْطَارُ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الْحُمْرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَيْهِ وَقَالَ: بَلْ لَا يَجُوزُ الْإِفْطَارُ إِلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الْكَوَاكِبِ، وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ قَدِ انْقَرَضَتْ، وَالْفُقَهَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَانِهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي اسْتِقْصَاءِ الْكَلَامِ فِيهَا.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْفَجْرِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: فَجَرْتُ الْمَاءَ أَفْجُرُهُ فَجْرًا، وَفَجَّرْتُهُ تَفْجِيرًا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ:

الْفَجْرُ أَصْلُهُ الشَّقُّ، فَعَلَى هَذَا الْفَجْرُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ هُوَ انْشِقَاقُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِنُورِ الصبح، وأما في قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنَ الْفَجْرِ فَقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ بَعْضُ الْفَجْرِ لَا كُلُّهُ، وَقِيلَ لِلتَّبْيِينِ كَأَنَّهُ قِيلَ: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الَّذِي هُوَ الْفَجْرُ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَحَلَّ الْجِمَاعَ وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إِلَى غَايَةِ تَبَيُّنِ الصُّبْحِ، وَجَبَ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ تَبَيُّنَ الصُّبْحِ مَا هُوَ؟ فَنَقُولُ: الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَبَيُّنِ الصُّبْحِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، أَمَّا الْقَطْعِيُّ فَبِأَنْ يُرَى طُلُوعُ الصُّبْحِ أَوْ يُتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَضَى مِنَ الزَّمَانِ مَا يَجِبُ طُلُوعُ الصُّبْحِ عِنْدَهُ وَأَمَّا الظَّنِّيُّ فَنَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ ظَنٌّ أَنَّ الصُّبْحَ طَلَعَ فَيَحْرُمُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْوِقَاعُ فَإِنْ حَصَلَ ظَنٌّ أَنَّهُ مَا طَلَعَ كَانَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْوِقَاعُ مُبَاحًا، فَإِنْ أَكَلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الظَّنَّ خَطَأٌ وَأَنَّ الصُّبْحَ كَانَ قَدْ طَلَعَ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَكْلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، وَكَذَلِكَ إِنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَأَفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مَا كَانَتْ غَارِبَةً فَقَالَ الْحَسَنُ: لَا قَضَاءَ فِي الصُّورَتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالصَّوْمِ مِنَ الصُّبْحِ إِلَى الْغُرُوبِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ وَأَمَّا النَّاسِي فَعِنْدَ مَالِكٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ الَّذِينَ سَلَّمُوا أَنَّهُ لَا قَضَاءَ قَالُوا:

مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّا أَسْقَطْنَاهُ عَنْهُ لِلنَّصِّ، وَهُوَ مَا

رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَطْعَمَكَ اللَّهُ وسقاك فأنت ضيف الله فتم صَوْمَكَ» .

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ فِي طُلُوعِ الصُّبْحِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَإِذَا أَخْطَأَ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ثَابِتٍ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَالثَّابِتُ فِي اللَّيْلِ حِلُّ الْأَكْلِ، وَفِي النَّهَارِ حُرْمَتُهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ لَا بَقَاءُ اللَّيْلِ وَلَا طُلُوعُ الصُّبْحِ، بَلْ بَقِيَ مُتَوَقِّفًا فِي الْأَمْرَيْنِ، فَهَهُنَا يُكْرَهُ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ، فَإِنْ فَعَلَ جَازَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

أَمَّا قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ كَلِمَةَ إِلى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الصَّوْمَ يَنْتَهِي عِنْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ غَايَةَ الشَّيْءِ مَقْطَعُهُ وَمُنْتَهَاهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَقْطَعًا وَمُنْتَهًى إِذَا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَجِيءُ/ هَذِهِ الكلمة لا للانتهاء كما قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَى الْمَرافِقِ [الْمَائِدَةِ: ٦] إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النَّهَارِ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ النَّهَارِ، وَالْمَرَافِقُ مِنْ جِنْسِ الْيَدِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: سَبِيلٌ إِلَى الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ، تَقُولُ: أَكَلْتُ السَّمَكَةَ إِلَى رَأْسِهَا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الرَّأْسُ دَاخِلًا فِي الْأَكْلِ وَخَارِجًا مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ أَنَّ اللَّيْلَ خَارِجٌ عَنِ الصَّوْمِ، إِذْ لَوْ كَانَ دَاخِلًا