للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٣٢٧ - كتاب لجرير بن زيد البجلى]

وكتب جرير (١) بن يزيد البجلىّ:

«أما بعد: فإنه لولا (ما له) (٢) الناس من تقلّب قلوبهم، وتصرّف حالاتهم وتباينهم، واختلافهم وائتلافهم، لما تشعّبوا من أصلهم، ولا ائتلف منهم اثنان بعد تشعّبهم، فلا بدّ فيما يحدث بين الناس من علل الوحشة، وأسباب العداوة والفرقة، ويجرى بينهم من المودة وداعى الصلة من سابق ومسبوق، وداع ومجيب، فسابق إلى قطيعة يجتنى بها من صاحبه الوحشة، ومبتدي بصلة اجتلب بها من صاحبه الثقة، وزرع بها فى قلبه المقة له.

وقد بلغنى عنك فى وفائك وفضلك ما حرّكنى لودّك، ورغّبنى فى خلّتك (٣)، ودعانى إلى طلب وصلك، فأجبت دعاءك إلى الصلة والملاطفة بما أحسست لك من الثقة، وحدث لى فيك من الرغبة، فاقبل ما بذلنا من ودّنا وأحسن الإجابة إلى ما دعوناك إليه من إخائنا، واتّبعنا بإحسان إذ كان الابتداء منا، فإن المجيب إلى الجميل شريك الراغب فيه، وإن المكافئ به شكل (٤) لمسديه، ولا تكرهنّ أن تكون لنا إذ دعوناك مجيبا، وإذ سبقناك بالفضيلة تابعا، فإنا قد أحسنّا إجابة فضلك، وسلسنا فى اتباع ما قادنا إليك من محاسنك، واعلم أنك لو كنت سبقتنا إلى الصّلة، وتقدمتنا بالرغبة، وطلبت فضلنا عليك بالمودّة، كنت لذلك فى الفضل أهلا، وبه جديرا، لأن مثلك فى فضلك عطّف على نفسه، ومثلنا رغب فى صلته، فقد أهدينا


(١) هو جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى البجلى، وهو أحد الخطباء المعدودين- انظر لفهرست ص ١٨١.
(٢) كذا فى الأصل، فاللام فى «له» بمعنى لأجل، أى لولا ما خلق لا جله الناس.
(٣) الخلة: الصداقة.
(٤) الشكل: الشبه والمثل.

<<  <  ج: ص:  >  >>