للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٤٠٨ - كتاب علىّ إلى معاوية

وكتب على إلى معاوية:

«من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان:

«أما بعد: فإن الدنيا دار تجارة، وربحها أو خسرها الآخرة، فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة، ومن رأى الدنيا بعينها وقدّرها بقدرها، وإنى لأعظك مع علمى بسابق العلم فيك مما لا مردّ له دون نفاذه، ولكنّ الله تعالى أحذ على العلماء أن يؤدّوا الأمانة، وأن ينصحوا الغوىّ والرّشيد، فاتّق الله ولا تكن ممّن لا يرجون لله وقارا، ومن حقّت عليه كلمة العذاب، فإن الله بالمرصاد، وإن دنياك ستدبر عنك، وستعود حسرة عليك، فأقلع عما أنت عليه من الغىّ والضلال على كبر سنّك، وفناء عمرك، فإن حالك اليوم كحال الثوب المهلهل (١) الذى لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر.

وقد أرديت جيلا (٢) من الناس كثيرا خدعتهم بغيّك، وألقيتهم فى موج بحرك، تغشاهم الظّلمات، وتتلاطم بهم الشّبهات، فجاروا عن وجهتهم ونكصوا (٣) على أعقابهم، وتولّوا على أدبارهم، وعوّلوا على أحسابهم، إلا من فاء (٤) من أهل البصائر، فإنهم فارقوك بعد معرفتك، وهربوا إلى الله من موازرتك، إذ حملتهم على الصّعب، وعدلت بهم عن القصد (٥)، فاتّق الله يا معاوية فى نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، والسلام».

(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥٠، ونهج البلاغة ٢: ٤١)


(١) ثوب مهلهل: أى رقيق سخيف النسج، وفى الأصل «المهيل» وهو تحريف.
(٢) أى أهلكت قبيلا وصنفا.
(٣) أى رجعوا.
(٤) أى رجع، والموازرة: المعاونة والمعاضدة.
(٥) القصد: استقامة الطريق.

<<  <  ج: ص:  >  >>