للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه، اعزبى (١) عنى، فو الله لا أذلّ لك فتستذلّينى، ولا أسلس لك فتقودينى، وايم الله يمينا أستثنى فيها بمشيئة الله، لأروضنّ نفسى رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما، ولأدعنّ مقلتى كعين ماء نضب (٢) معينها، مستفرغة دموعها.

أتمتلئ السائمة من رعيها (٣) فتبرك، وتشبع الرّبيضة من عشبها فتربض، ويأكل علىّ من زاده فيهجع؟ قرّت إذن عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة (٤)، والسّائمة المرعيّة!

طوبى لنفس أدّت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها (٥)، وهجرت فى الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها، افترشت أرضها، وتوسّدت كفّها، فى معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت (٦) بذكر ربهم شفاههم، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم أولئك حزب الله، ألا إنّ حزب الله هم المفلحون.

فاتق الله يا بن حنيف، ولتكفك أقراصك، ليكون من النار خلاصك».

(نهج البلاغة ٢: ٥٠)

[٣٢٦ - كتاب معاوية إلى الزبير بن العوام]

وكان أول الأحداث فى خلافة الإمام على، أن السيدة عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم خرجوا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان رضى الله عنه.


(١) عرب كدخل: بعد، وسلس كتعب: لان وسهل قياده.
(٢) نضب الماء كدخل: غار.
(٣) الرعى: الكلأ، والربيضة: الغنم برعاتها المجتمعة فى مرابضها، وربضت الغنم (كجلس) كبركت الابل.
(٤) الهاملة: السارحة بغير راع.
(٥) أى صبرت على بؤسها والمشقة التى تنالها، يقال عرك فلان بجنبه الأذى: أى صبر عليه كأنه حكه حتى عفاه الغمض: النوم وكذا الكرى.
(٦) الهمهمة: الكلام الخفى، وترديد الصوت فى الصدر. تقشعت: انكشفت وزالت كما يتقشع السحاب

<<  <  ج: ص:  >  >>