للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد صبّ عليه وقار الصبر، وهبّت له روائح النّصر، يصرّفه ملك يملأ العيون جمالا والقلوب جلالا، لا تخلف مخيلته (١)، ولا تنقض مريرته، ولا يخطئ بسهم الرأى غرض الصواب، ولا يقطع بمطايا اللهو سفر الشّباب، قابضا بيد السياسة على قطار (٢) ملك لا ينتشر حبله، ولا تتشظّى عصاه، ولا تطفأ جمرته، فى سنّ شباب لم يجن مأثما، وشيب لم يراهق (٣) هرما، قد فرش مهاد عدله، وخفض جناح رحمته، راجما بالعواقب الظنون، لا يطيش، عن قلب فاضل الحزم، بعيد العزم، ساعيا على الحق يعمل به، عارفا بالله يقصد إليه، مقرا للحلم ويبذله، قادرا على العقاب ويعدل فيه، إذ الناس فى دهر غافل، قد اطمأنت بهم سيرة (٤) ليّنة الحواشى، خشنة المرام، تطير بها أجنحة السرور، ويهبّ فيها نسيم الحبور (٥)، فالأطراف على مسرّة والنظرة إلى مبرّة، قبل أن تخبّ (٦) مطايا الغير، وتسفر وجوه الحذر، وما زال الدهر مليئا بالنوائب، طارقا بالعجائب، يؤمن يومه، ويغدر غده.

على أنها- وإن جفيت- معشوقة السّكنى، حبيبة المثوى (٧)، كوكبها يقظان، وجوّها عريان (٨)، وحصباؤها جوهر، ونسيمها معطّر، وترابها مسئك أذفر (٩)، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنىء، وشرابها مرىء، وتاجرها مالك، وفقيرها فانك (١٠)، لا كبغدادكم الوسخة السماء، الومدة (١١) الهواء، جوها


(١) المخيلة: الظن، والمريرة: العزيمة.
(٢) القطار فى الأصل: أن تقطر الإبل بعضها إلى بعض على نسق واحد، وتشظى العود: تطاير شظايا جمع شظية كغنية: وهى الفلقة (بالكسر) من العصا ونحوها.
(٣) أى ولم يقارب الهرم والشيخوخة، يقال: دخل مكة مراهقا: أى مقاربا لآخر الوقت حتى كاد يفوته التعريف، وراهق الغلام: قارب الحلم.
(٤) السيرة بالكسر: اسم من السير أى الذهاب.
(٥) الحبور: السرور.
(٦) الخبب بالتحريك: ضرب من العدو وبابه رد، وسفرت المرأة كضرب: كشفت عن وجهها.
(٧) المثوى: المنزل.
(٨) أى صحو خلو من الغيوم.
(٩) مسك أذفر وذفر كفرح: جيد إلى الغاية، من الذفر بالتحريك: وهو شدة ذكاء الريح، والغداة:
البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس.
(١٠) فنك بالمكان كنصر: أقام به، أى أنه، لا يرحل عنها إلى سواها، إذ يجدبها ما يسد عوزه.
(١١) الومد بالتحريك: أن نسكن الريح مع شدة الحر.

<<  <  ج: ص:  >  >>