للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال (١): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: ترك الخصومة، والتّغافل عن الزَّلّة، ونسيان الأذيّة).

هذه الدّرجة من باب التّرك والتّخلِّي، وهي أن لا يخاصم أحدًا، فلا يُنصِّب نفسَه خصمًا لأحدٍ غيرها، فهي خصمه.

وهذا المنزل أيضًا ثلاث درجاتٍ: لا يخاصم بلسانه، ولا ينوي الخصومة بقلبه، ولا يُخطِرها على باله. هذا في حقِّ نفسه.

وأمّا في حقِّ ربِّه: فالفتوّة أن يخاصم (٢) بالله وفي الله، ويحاكم إلى الله، كما كان النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعاء الاستفتاح: «وبكَ خاصمتُ، وإليك حاكمتُ» (٣). وهذه درجة فتوّة العلماء الدُّعاة إلى الله تعالى.

وأمّا التّغافل عن الزّلّة، فهو أنّه إذا رأى من أحدٍ زلّةً لم يوجب عليه الشّرع أخْذَه بها أظهر أنّه لم يرَها، لئلّا يُعرِّض صاحبَها للوحشة، ويُرِيحَه من تحمُّلِ العذر.

وفتوّة التّغافل أرفعُ من فتوّة الكتمان مع الرُّؤية.

قال أبو عليٍّ الدّقّاق - رحمه الله -: جاءت امرأةٌ فسألتْ حاتمًا عن مسألةٍ، فاتّفق أنّه خرج منها صوتٌ في تلك الحالة، فخجلت. فقال حاتمٌ: ارفعي صوتك. فأوهمها أنّه أصمُّ، فسُرَّت المرأة بذلك وقالت: إنّه لم يسمع


(١) «المنازل» (ص ٤٨).
(٢) ش، د: «تخاصم ... وتحاكم».
(٣) أخرجه البخاري (١١٢٠، ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٩٩) ومسلم (٧٦٩) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.

<<  <  ج: ص:  >  >>