للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قد يُبقي على واجده أثرًا من أحكامه بعد مفارقته، وقد لا يُبقِي. والظّاهر: أنّه لا بدَّ أن يُبقِي أثرًا، لكن قد يخفى وينغمر بما يَعقُبه بعده ويَخلُفه من أضداده.

فصل

(الدّرجة الثّانية: وجدٌ تستفيق له الرُّوح بلَمْعِ نورٍ أزليٍّ، أو سماعِ نداءٍ أوّليٍّ، أو جذبٍ حقيقيٍّ. إن أبقى على صاحبه لباسَه، وإلّا أبقى عليه نورَه) (١).

إنّما كان هذا الوجد أعلى من الوجد الأوّل، لأنّ محلَّ اليقَظةِ فيه هو الرُّوح، ومحلَّها في الأوّل السّمعُ والبصر والفكر. والرُّوح هي الحاملة للسّمع والبصر والفكر. وهذه أوصافٌ من صفاتها.

وأيضًا فلِعُلُوِّ وجدِ الرُّوح سببٌ آخر، وهو علوُّ متعلَّقه، فإنّ متعلَّق وجْدِ السّمع والبصر والفكر: الآياتُ والبصائر، ومتعلَّق وجْدِ الرُّوح: تعلُّقها بالمحبوب لذاته. ولذلك جعل سببه «لَمْع نورٍ أزليٍّ»، يعني شهودها لَمْعَ نور الحقيقة الأزليِّ، وهذا الشُّهود لا حظَّ فيه للسّمع ولا للبصر ولا للفكر، بل تستنير به الأسماع والأبصار، لأنّ (٢) الرُّوح لمّا استنارت بهذه اليقظة والإفاقة أتمَّ استنارةٍ استنارتْ بنورها الأسماع والأبصار، لا سيّما وصاحبها في هذه الحال إنّما يسمع بالله ويبصر به. وإذا كان سمعه وبصره وبطشه بالله، فما الظّنُّ بحركة روحه وقلبه وأحكامها؟

قوله: (أو سَماع نداءٍ أوّليٍّ)، إن أراد به تعرُّفَ الحقِّ تعالى إلى عباده


(١) «المنازل» (ص ٧٦).
(٢) ت: «لكن».

<<  <  ج: ص:  >  >>