للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأن لا يُعصى المنعمُ بها.

والرِّضا بالقضاء الكوني القدريِّ الجاري على خلاف مراد العبد ومحبَّته ممَّا لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره= مستحبٌّ، وهو من مقامات الإيمان (١)، وفي وجوبه قولان. وهذا كالمرض والفقر، وأذى الخلق له، والحرِّ والبرد، والآلام ونحو ذلك.

والرِّضا بالقدر الجاري عليه باختياره ممَّا يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظُّلم والفسوق والعصيان= حرامٌ يعاقَب عليه. وهو مخالفةٌ لربِّه تعالى، فإنَّ الله لا يرضى بذلك ولا يحبُّه، فكيف تتَّفق المحبَّة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟ فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرِّضا بالقضاء.

فإن قلت: كيف يريد الله سبحانه أمرًا لا يرضاه ولا يحبُّه؟ وكيف يشاؤه ويكوِّنه؟ وكيف تجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟

قيل: هذا السُّؤال هو الذي افترق الناس لأجله فِرَقًا، وتباينت عنه طرقهم وأقوالهم. فاعلم أنَّ المراد نوعان: مرادٌ لنفسه، ومرادٌ لغيره.

فالمراد لنفسه مطلوبٌ محبوبٌ لذاته وما فيه من الخير، فهو مرادٌ إرادةَ الغايات والمقاصد.

والمراد لغيره قد لا يكون في نفسه مقصودًا للمريد، ولا فيه مصلحةٌ له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلةً إلى مقصوده ومراده. فهو مكروهٌ له من حيث نفسه وذاته، مرادٌ له من حيث إفضائه (٢) وإيصاله إلى مراده. فيجتمع فيه


(١) ع: «مقامات أهل الإيمان».
(٢) كذا في النسخ، والأفصح: «إفضاؤه» بالرفع.

<<  <  ج: ص:  >  >>