للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحياة، وأودية الجمع، ولوائح الوجود).

قوله: (الصحو فوق السُّكر)، يعني: أنَّ السُّكر يكون في الانفصال، والصحو في الاتِّصال. وأيضًا فالسُّكر فناءٌ، والصحو بقاء. وأيضًا فالسُّكر غيبةٌ والصحو حضور. وأيضًا فالسُّكر غلبةٌ والصحو تمكُّن. وأيضًا فالسُّكر كالنوم والصحو كاليقظة.

وبعضهم يفضِّل مقام السُّكر على مقام الصحو ويقول: لولا البقيَّة التي بقيت فيه لما صحا، وينشد متمثِّلًا (١):

ومهما بقيْ للصَّحو فيك بقيَّةٌ ... يجد نحوك اللاحي سبيلًا إلى العذل

وهذا غلطٌ محضٌ لما ذكرنا. نعم، السُّكر فوق صحو الفراغ (٢)، والسَّكران بالمحبَّة خيرٌ من الصاحي منها، والصَّاحي بها خيرٌ من السَّكران فيها.

قوله: (وهو يناسب مقام البسط)، وجه المناسبة بينهما: أنَّ الانبساط لا يكون إلَّا مع الصَّحو، وإلَّا فالسُّكر لا يحتمل الانبساط.

قوله: (والصَّحو مقامٌ صاعدٌ عن الانتظار) يعني: انتظار الحضور، فإنَّ الصاحي متمكِّنٌ في الحضور، ولذلك أشبه مقامه مقام البسط، فالصَّحو أعلى من أن يصحبه الانتظار، لأنَّ صاحبه قد اتَّصل، فهو لا ينتظر الاتِّصال. ولذلك قال: (مغنٍ عن الطلب)، فإنَّ الطالب إنَّما يطلب الوصول إلى


(١) البيت للتلمساني من أبياتٍ ميمية أوردها النابلسي في «خمرة الحان» (ص ٧٨)، وآخره: «إلى الظُّلم». وقد أنشده المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٠٣) أيضًا.
(٢) ر: «الصحو الفارغ».

<<  <  ج: ص:  >  >>