للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: ٧٦]. ثمّ نُودُوا بلسان الشَّرع والقدَر تحقيقًا لتوحيده وإثباتًا لحجَّته، وهو أعدل العادلين: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: ١٤٩].

فصل

وراكبُ هذا البحر في سفينة الأمر، وظيفتُه مصادمةُ أمواج القدر ومعارضتُها بعضِها ببعضٍ، وإلّا هلَكَ، فيرُدُّ القدَرَ بالقدَرِ. وهذا سَيْرُ أربابِ العزائم من العارفين، وهو معنى قول الشّيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلانيِّ: النّاس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلّا أنا فانفتحَتْ لي فيه رَوْزَنَةٌ (١)، فنازعتُ أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقِّ. والرّجلُ مَن يكون منازعًا للقدر، لا من يكون مستسلمًا مع القدر (٢).

ولا تتمُّ مصالحُ العباد في معاشهم إلّا بدفع الأقدار بعضِها ببعضٍ، فكيف في معادهم؟ والله تعالى أمرَ أن تُدفَع السّيِّئةُ ــ وهي من قدَره ــ بالحسنة، وهي من قدره. وكذلك الجوعُ هو من قدرِه، وأمرَ بدفعه بالأكل الذي هو من قدَرِه. ولو استسلم العبدُ لقدَرِ الجوع، مع قدرته على دفعه بقدَر الأكل، حتّى مات= مات عاصيًا. وكذلك البردُ والحرُّ والعطشُ كلُّها من قدَرِه، وأمرَ بدفعها بأقدارٍ تضادُّها، والدّافعُ والمدفوعُ والدَّفعُ من قدَرِه.


(١) الرَّوزَنَة: الكوَّة النافذة، فارسي معرَّب.
(٢) عزاه إلى الشيخ عبد القادر شيخُ الإسلام في رسالة "العبودية" (ص ٥٤) بقوله: "فيما ذُكِر عنه"، ونقله في غير موضع من كتبه. وفي "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٤٧ - ٥٥٠) فصل في تفسير هذا القول. وقد أورده المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ٧٥) أيضًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>