للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أقرب ما يؤوّل به كلامه.

على أنّ للملحد (١) هاهنا مجالًا، وهو أنّ هذه الحال إنّما هي لأقوامٍ انتقلت عباداتُهم من ظواهرهم إلى بواطنهم، وانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم، فاستغنوا بالواردات عن الأوراد، وبالحقائق عن الرُّسوم، وبالمعاني عن الصُّور، فخلصوا من رقِّ التّكليف المختصِّ بالعلم، وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم.

وهكذا الألفاظ المجملة عرضةٌ للمحقِّ والمبطل.

قوله: (ونفى صَغار الاختيار) يريد به أنّ العبد متى كان مربوطًا باختياراته، محبوسًا في سجن إراداته، فهو في ذلٍّ وصَغارٍ، فإذا وصل إلى هذه الدّرجة انتفى عنه صَغار الاختيار، وبقي من جملة الأحرار.

فيا لها عبوديّة أوجبت حرِّيّةً، وحرِّيّة كمّلت عبوديّةً! فيصير واقفًا مع ما يختار الله له، لا مع ما يختاره هو لنفسه. بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له البتّة. فمن كان محجوبًا بالعلم عن المعرفة، نازعَتْه اختياراتُه ونازعها، فهو معها في ذلٍّ وصَغارٍ. ومتى أفضى إلى المعرفة، وكُشِف له عن حجابها شهدَ (٢) البلاءَ نعيمًا، والمنعَ عطاءً، والذُّلّ عزًّا، والفقرَ غنًى. فانقاد باطنه لأحكام المعرفة، وظاهره لأحكام العلم.

على أنّ للملحد (٣) هاهنا مجالًا، قد جال فيه هو وطائفتُه فقال: «هذا


(١) يعني العفيف التلمساني في شرح «منازل السائرين» (ص ٤٦٩).
(٢) ر، ط: «شاهد».
(٣) يعني العفيف التلمساني في شرح «منازل السائرين» (ص ٤٧٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>