للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذلك. الثّاني: تركُ ما أمرَ به من الأسباب، وهذا أيضًا قد يكون كفرًا وظلمًا وبين ذلك.

بل على العبد أن يفعل ما أمرَه به من الأسباب، ويتوكَّل عليه توكُّلَ مَن يعتقد أنّ الأمر كلَّه بمشيئة الله، سَبق به علمُه وحكمُه، وأنَّ السَّببَ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم، ولا يحصِّل للعبد ما لم تسبق به المشيئةُ الإلهيّةُ، ولا يَصرِفُ عنه ما سبق به الحكمُ والعلمُ. فيأتي بالأسباب إتيانَ من لا يرى النّجاة والفلاح والوصول إلّا بها، ويتوكَّلُ على الله توكُّلَ من يرى أنّها لا تُنجيه، ولا تحصِّل له فلاحًا، ولا تُوصله إلى المقصود. فيجرِّد عزمَه للقيام بها حرصًا واجتهادًا، ويُفرغ قلبه من الاعتماد عليها والرُّكون إليها تجريدًا للتّوكُّل، واعتمادًا على الله وحده.

وقد جمع النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين هذين الأصلين في الحديث الصّحيح، حيث يقول: «احرِصْ على ما ينفعك، واستعِنْ بالله، ولا تعجِزْ» (١). فأمرَه بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبِّب. ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصيره في الأسباب وعدمُ الحرص عليها، وتقصيره في الاستعانة بالله وتركُ تجريدها. فالدِّينُ كلُّه ــ ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه ــ تحت هذه الكلمات النّبويّة.

فصل

قوله: (والصُّعود عن منازعات العقول). هذا حقٌّ، ولا يتمُّ التَّوحيدُ ولا


(١) جزء من حديث أخرجه مسلم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>