للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهو حال الجاهل بربِّه، الذي سمع أنَّ ثمَّ (١) جنةً ونارًا، فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنَّة المخلوقة (٢)، لا يخطر بباله سواه البتَّة. بل هذا حال أكثر المتكلِّمين، المنكرين رؤيةَ الله والتلذُّذَ بالنظر إلى وجهه في الآخرة، وسماعَ كلامه وحبَّه، والمنكرين على من يزعم أنّه يحبُّ الله. وهم عبيد الأجرة المحضة، فهؤلاء لا يريدون الله تعالى.

ومنهم من يصرِّح بأنَّ إرادة الله محالٌ. قالوا (٣): لأنَّ الإرادة إنَّما تتعلَّق بالحادث، فالقديم لا يراد (٤)، فهؤلاء منكرون لإرادة الله غاية الإنكار، وأعلى الإرادة عندهم: إرادة الأكل والشُّرب والنِّكاح واللِّباس في الجنَّة وتوابعِ ذلك.

فهؤلاء في شقٍّ، وأولئك الذين قالوا: لم نعبده طلبًا لجنَّته ولا هربًا من ناره في شقٍّ. وهما طرفا نقيضٍ، بينهما أعظم من بعد المشرقَين. وهؤلاء من أكثف الناس حجابًا، وأغلظهم طباعًا، وأقساهم قلوبًا، وأبعدهم عن روح المحبَّة والتّألُّه، ونعيم الأرواح والقلوب. وهم يكفِّرون أصحاب المحبَّة والشوق إلى الله، والتّلذُّذِ بحبِّه والتصديق بلذَّة النظر إلى وجهه وسماعِ كلامه منه بلا واسطةٍ.

وأولئك لا يعدُّونهم من البشر إلَّا بالصُّورة، ومرتبتهم عندهم قريبةٌ من


(١) ع: «ثمَّة».
(٢) ع: «المخلوق» نعتًا للنعيم.
(٣) ع: «قال».
(٤) انظر: «البسيط» للواحدي (٣/ ٤٧٠ - ٤٧١)، و «الإرشاد» للجويني (ص ٢٣٨ - ٢٣٩)، و «أساس التقديس» للرازي (ص ١٥٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>