للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شهد الحقيقة الكونيَّة صبر به. وأمَّا الصبر له فمنزلة الرُّسل والأنبياء والصّدِّيقين؛ أصحابُ مشهد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

ولأنَّ الصبر له صبر فيما هو حقٌّ له محبوبٌ له مرضيٌّ له، والصبرَ به قد يكون في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوطٌ له، وقد يكون في مكروهٍ أو مباحٍ؛ فأين هذا من هذا؟

وأمَّا تسمية الصبر على أحكامه صبرًا عليه، فلا مشاحَّة في العبارة بعد معرفة المعنى؛ فهذا هو الصبر على أقداره. وقد جعله الشيخ في الدرجة الثالثة، وقد عرفت بما تقدَّم أن الصبر على طاعته والصبرَ عن معصيته أكملُ من الصبر على أقداره كما ذكرنا (١)، فإنَّ الصبر فيهما صبرُ اختيارٍ وإيثارٍ ومحبَّة، والصبر على أحكامه الكونيَّة صبر ضرورةٍ، وبينهما من البون ما قد عرفت.

ولذلك (٢) كان صبرُ إبراهيم وموسى ونوحٍ (٣) على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم قومَهم= أكملَ من صبر أيُّوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسبَّبًا عن فعله.

وكذلك صبرُ إسماعيلَ الذبيحِ وصبرُ أبيه إبراهيم على تنفيذ أمر الله أكملُ من صبر يعقوب على فقد يوسف.

فعلمت أنَّ الصبر لله أكمل من الصبر بالله، والصبرَ على طاعته والصبر


(١) في ع زيادة: «في صبر يوسف عليه السلام».
(٢) ع: «وكذلك».
(٣) ع: «صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام».

<<  <  ج: ص:  >  >>