للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحملٌ لذنبه على الأقدار. وهذا فعلُ خُصَماء الله تعالى، كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: ١٤]، قال: أتدرون ما المراد بهذه الآية؟ قالوا: وما المراد بها؟ قال: إقامةُ أعذار الخليقة! وكذَب هذا الجاهلُ بالله وكلامه. وإنّما المراد بها: التّزهيدُ في هذا الفاني الذّاهب، والتّرغيبُ في الباقي الدّائم، والإزراءُ على من (١) آثر هذا المزيَّنَ واتَّبعه، بمنزلة الصّبيِّ الذي يُزيَّن له ما يلعَب به، فيهَشُّ إليه، ويتحرَّك له؛ مع أنّه لم يذكر فاعل التّزيين، فلم يقل: زيَّنَّا للنَّاس.

والله تعالى يضيف تزيين الدُّنيا والمعاصي إلى الشّياطين، كما قال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: ٤٣]، وقال: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: ١٣٧]. وفي الحديث: "بُعِثتُ هاديًا وداعيًا، وليس إليَّ من الهداية شيءٌ. وبُعِثَ إبليسُ مُغْويًا ومزيِّنًا، وليس إليه من الضلالة شيءٌ" (٢). ولا يناقض هذا قوله تعالى:


(١) ع: "بمن".
(٢) أورده المصنف في "شفاء العليل" (ص ٨٠) أيضًا. وقد أخرجه الدولابي في "الكنى والأسماء" (٣/ ١١٥٧) والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢٠٩) وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٣٢٠) وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (١٣٩٣ - نشرة آل حمدان) والخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٩٣٩ - ٩٤٠) من طريق خالد بن عبد الرحمن العبدي أبي الهيثم، عن سماك بن حرب، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا بنحوه. قال العقيلي: "خالد بن عبد الرحمن أبو الهيثم، عن سماك بن حرب، ليس بمعروف بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف له أصل". ووافقه الدارقطني وقال ــ كما في "الميزان" (١/ ٦٣٤) ــ: "لا أعلمه روى غير هذا الحديث الباطل"، وانظر: "اللسان" (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨، ٩/ ٢٩٣). وظنَّ ابنُ عدي بأن خالد بن عبد الرحمن هذا هو الخراساني ــ وهو صدوق فيه لين ــ وأعلَّه بالانقطاع بينه وبين سماك. والصواب أنهما اثنان، فالخراساني غير العبدي، كما بيَّنه الحافظ في "التهذيب" (٣/ ١٠٤). والحديث حكم عليه الألباني بالوضع في "الضعيفة" (٢٢٤٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>