للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونحن لا ننكر كونَ الفعل الواحد يكون له وجهان، ولكن إذا تحقَّق النَّهيُ عنه والأمرُ به أمكن اعتبارُ وجهيه؛ فإنَّ الشَّارعَ أمرَ بستر العورة، ونهى عن لُبس الحرير، فهذا السَّاترُ لها بالحرير قد ارتكب الأمرَين، فصار فعلُه ذا وجهين.

فأمَّا (١) محلُّ النِّزاع، فلم يتحقَّق فيه النَّهيُ عن النَّزع والخروجِ من الأرض من الشَّارع البتَّة، لا بقوله ولا بمعقول قوله، إلّا باعتبار هذا الفرد بفردٍ آخر، بينهما أشدُّ تباينٍ وأعظمُ فرقٍ في الحسِّ والعقل والفطرة والشَّرع.

وأمّا إلحاقُ هذا الفرد بالعفو فإن أريد به أنّه معفوٌّ له عن المؤاخذة به فصحيحٌ. وإن أريد أنَّه لا حكمَ لله فيه، بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنَّائم والنّاسي والمجنون، فباطلٌ، إذ هؤلاءُ غير مخاطَبين، وهذا مخاطَبٌ بالنَّزع والخروج، فظهر الفرق. والله الموفِّق للصّواب.

فإن قيل: هذا يتأتّى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزعٍ أو خروجٍ مفسدةٌ. فما تصنعون فيما إذا تضمَّن مفسدةً مثل مفسدة الإقامة، كمن توسَّط جماعةَ جرحى ليسلبهم (٢)، فطرح نفسَه على واحدٍ، إن أقام عليه قتَلَه بثِقَلِه، وإن انتقل عنه لم يجد بدًّا من انتقاله إلى مثله يقتلُه بثِقَلِه، وقد عزم على التَّوبة، فكيف تكون توبته؟ (٣).


(١) ع: "وأما".
(٢) ع: "لسلبهم".
(٣) هذه المسألة ألقاها أبو هاشم الجبائي. انظر الكلام عليها في "البرهان" للجويني (١/ ١٠٤)، و"الواضح" لابن عقيل (٥/ ٤٢٧)، و"المسوَّدة" (ص ٨٦)، و"مجموع الفتاوى" (١٦/ ٢٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>