للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أو شيطانيةً، لعدم العصمة في حقِّه واستمرار المحنة بعدوِّه (١) ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثمَّ أقدم على الفعل. فهذا نهاية ما في مقدور الصَّادقين.

ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة، ولهذا قال الأوزاعيُّ وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيءٍ فانظروا ما عليه أهل الثغر ــ يعني أهل الجهاد ــ فإنَّ الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: ٦٩] (٢).

وأما (اعتراضات الأحكام)، فيجوز أن يريد به (٣) الأحكامَ الكونيّة، وهو أظهر، وأن يريد به الأحكام الدِّينيّة، فإنَّ أرباب الأحوال يقع منهم اعتراضاتٌ على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه، فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب، وتلك الاعتراضات هي إراداتهم خلاف ما جرى لهم به القدر، فيحزن على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد به.

وإن كان المراد به الأحكام الدِّينية، فإنَّهم تعرِض لهم أحوالٌ لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدَّم، فلا يجدون بدًّا من القيام بأحكام الأمر، ولا بدَّ أن يحدث لهم نوع اعتراضٍ خفيٍّ أو جليٍّ بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر، فيحزنون لوجود هذه المعارضة، فإذا قاموا بأحكام الأمر


(١) م، ج، ن: «واستمرار المحنة كرة بعد كرة».
(٢) ذكره ابنُ الجوزي في «زاد المسير» (٦/ ٢٨٥) عن ابن المبارك، ولم أجده مسندًا إليه. وإنما أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٩/ ٣٠٨٤) وابن عدي في «الكامل» (١/ ٢٥٨) والثعلبي في «الكشف والبيان» (٢١/ ٩٢) عن ابن عُيينة - رحمه الله -.
(٣) في هامش ع إشارة إلى أنه في نسخة: «بالأحكام».

<<  <  ج: ص:  >  >>