للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سعة مطلوبه وعظمته، وهمَّتُه أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسمٍ أو حالٍ أو يساكن شيئًا غيره، فهو كالمحبِّ الصادق، الذي همَّته التفتيش على (١) محبوبه.

وهكذا حال الصادق في طلب العلم، وحال الصادق في طلب الدُّنيا؛ فكلُّ صادقٍ في طلب شيءٍ لا يستقرُّ له قرار، ولا يدوم على حالة واحدة.

وأيضًا: فإنَّ الصادق مطلوبه: رضا ربِّه، وتنفيذُ أوامره، وتتبُّع محابِّه. فهو متقلِّبٌ فيها يسير معها أين توجَّهت ركائبها، ويستقلُّ معها أنَّى استقلَّت مضاربها، فبينا هو في صلاةٍ إذ رأيتَه في ذكرٍ، ثمَّ في غزوٍ، ثمَّ في حجٍّ، ثمَّ في إحسانٍ للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع، ثمَّ في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ، أو في قيامٍ بسببٍ فيه عمارةٌ للدِّين والدُّنيا (٢).

فهو في تفرُّقٍ دائمٍ لله، وجمعيَّةٍ على الله، لا يملكه رسمٌ ولا عادةٌ ولا وضع، ولا يتقيَّد بقيدٍ ولا إشارة، ولا بمكانٍ معيَّنٍ لا يصلِّي إلا فيه (٣)، وزيٍّ معيَّنٍ لا يلبس سواه، وعبادةٍ معيَّنةٍ لا يلتفت إلى غيرها مع فضلها عليها في الدرجة؛ وبُعدُ ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض. فإنَّ البلاء والآفاتِ، والرِّياءَ والتصنُّع، وعبادةَ النفس وإيثارَ مرادها والإشارةَ إليها= كلَّها في هذه الأوضاع والرُّسوم والقيود التي حبست أربابها عن السَّير إلى قلوبهم، فضلًا عن السَّير من قلوبهم إلى الله تعالى. فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه


(١) ع: «عن».
(٢) زاد في ع: «ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم إن أمكن، إلى غير ذلك من أنواع القُرَب والمنافع».
(٣) ع: «بمكان معين يصلي فيه».

<<  <  ج: ص:  >  >>