للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لقد أحس الأعداء بأن الدين الجديد أصبحت له دولة تحميه، وأن الرجل الذي هرب من بلده ولجأ إلى بلدهم صار ذا نفوذ وسلطان، فانزعجت نفوسهم، وانخلعت قلوبهم, وبدأوا يفكرون كيف يتخلصون من هذا المأزق الذي أحاط بهم؟

عندئذ أخذوا يتآمرون ويدبرون المكايد للقضاء على تلك الدولة، فاتصلوا بالمشركين في مكة يحرضونهم على قتال المسلمين ويعدونهم بالوقوف معهم، كما اتصلوا باليهود في البلاد الأخرى مستعينين بهم في تنفيذ خططهم لاغتيال محمد - صلى الله عليه وسلم -.

أما المسلمون فكانوا بعد الانتصار الذي أحرزوه أقوى معنوية, وأحسن حالاً مما كانوا عليه من قبل، فقابلوا التآمر بتآمر أكثر إحكاماً, وواجهوا الكيد بكيد أشد إيلاما، فقتلوا كعب بن الأشرف زعيم المتآمرين، وأجلوا بني قينقاع عن المدينة، وهكذا أثبت المسلمون قدرتهم على أعدائهم، وأحبطوا المؤامرات التي تدبر لهم، وأبعدوا عن المدينة الخطر الذي طالما تهددهم، وأصبحوا أكثر استعداداً لصد الهجمات المتوقعة من جانب أهل مكة.

وأما في مكة فكان أثر المعركة عنيفاً على نفوس الناس، حيث لم يكن أحد يتوقع هذه النتيجة المؤسفة، ولكن هذا الأثر اتجه اتجاهاً واحداً، وبرز في تفكيرهم شبحاً للثأر الذي لا يمكن تركه مهما كلفهم من جهد أو مال، فاتفقوا على أن يجعلوا القافلة التي نجا بها أبو سفيان، والتي كانت سبباً في معركة بدر وقفاً على تمويل جيش يحاربون به المسلمين لعلهم يدركون به ثأرهم، وكانت القافلة تضم ألف بعير ومن الأموال خمسين ألف دينار [٢٥] وضعت جميعها في خدمة الجيش الذي عقدوا عليه آمالهم.

محمد السيد الوكيل

مدرس التاريخ الإسلامي

في كلية الحديث الشريف

والدراسات الإسلامية


[١] ابن هشام ٢/١٨٠.
[٢] زاد المعاد ٢/٢١٧.